الجمعة، 28 يوليو 2017

العرب لم يغزوا إسبانيا. الجزء الخامس: "نقد الإخباريات اللاتينية".

العرب لم يغزوا إسبانيا. الجزء الخامس: "نقد الإخباريات اللاتينية".


معركة كوفادونغا كما تخيلها الرسامون.
هشام زليم.


مدونة "صلة الرحم بالأندلس"

المرجع: كتاب Ignacio Olague إيغناسيو أولاغي, La revolucion islamica en occidente (الثورة الإسلامية في الغرب).

منشورات مؤسسة خوان مارش. وادي الرملة. Fundacion Juan March. Guadarrama

تتميز الإخباريات اللاتينية بطابع عجائبي ذو صبغة دينية ساذجة لا توجد في نظيراتها الأندلسية و الأمازيغية. أما الإخباريات العربية اللاحقة فتحصنت بدورها خلف منطق لاهوتي شبيه إلى حد ما بمنطق الإخباريات اللاتينية. فالأمر يتعلق في كلتي الحالتين بالتدخل الإلاهي الذي حسم الأمور. فبينما تدخلت السيدة العذراء في المعسكر المسيحي لإغاثة أنصارها, الذين كانوا يقودهم بيلايو, و مساعدتهم على رمي الصخور بشكل دقيق و مُرَكَز فوق رؤوس الغزاة المهرطقين خلال معركة كوفادونغا Covadongaا(718م), تدخلت العناية الربانية في الإخباريات المسلمة, التي دوَّنها كُتابٌ ذوو قامة فكرية عالية, لدعم انتشار الإسلام, بشكل أقل إثارة لكن بصورة مستمرة و فعالة. في المقابل تتميز الإخباريات الأمازيغية بطابعها الروائي.


نستشف من خلال الأبحاث التاريخية المتاحة اليوم أن أحداث القرن الثامن الميلادي هي نتاج صراعٍ دينيٍ تَعدى مستوى الأحداث السياسية التي تقهقرت إلى مستوى ثانوي. لم يُحاول الإخباريون المسيحيون في البداية تفسير ما جرى في القرن الثامن ببراهين لاهوتية كما سيفعل فيما بعد خمنيث دي رادا Jiménez de Rada  ا (1170م-1247) و غيره للرد على كُتاب الإصلاح الإسلامي المُضاد (عصر المرابطين و الموحدين). فقد كان عليهم في البداية أن يُفسروا لقرائهم هذه النكبة التي لحقت بهم. كان الإقرار بالهزيمة دوماً أمراً صعباً دَفعَ المؤرخين دفعاً للإجمال في تأريخ هذه الحقيقة المُرَّةُ و المرور عليها بسرعة مرورَ الكرامِ تجنبا للإحراج. لقد فقد المؤرخون الجرأة على البوح باسم هذا العدو الذي سحقهم. فكانوا لا يأتون على ذكره إلا بشكل مبهم و غير دقيق. و لا إشارة واحدة إلى دولة أجنبية كانت تُوجه جيوشها لغزو بلدهم. بل إن هذه الروايات المُشار لها تحمل طابعا محليا لا يتعدى أبدا حدود منطقة مُعينة, ما يجعلنا عاجزين عن تكوين نظرة إجمالية شاملة لشبه الجزيرة الإيبيرية. بسبب التعتيم, لم يَعلم المسيحيون العدو الذي داهمهم. فهذا المهرطقُ الكافر, سواء كان كلدانيا أم عربيا أم سراسينيا, قد يكون جارا قَدِمَ من منطقة قريبة , كما قد يكون مغامرا قدِمَ للتو من آسيا. لقد وَجَدت أسطورة الغزو العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية, في خضم هذا التعتيم و الخلط, البيئة الملائمة للتطور و الانتشار.

بعد التخلص نسبيا من أثقال الهزيمة, استعادت الإخباريات اللاتينية في القرن التاسع الميلادي الأسلوب الذي كان سائدا في الحقبة القوطية. فقد كان لها نفس التركيب و انتشر فيها هي أيضا الطابع العجائبي. و هذا مثال حي على ذلك من خلال واقعتين تاريخيتين. الأولى حدثت قبل الغزو العربي المزعوم و الأخرى بعده:

الرواية الأولى: عندما ارتد الملك القوطي ريكاريدو Recaredoعن الآريوسية في عام 587 ثار أنصار هذا المذهب في العديد من المناطق و حملوا السلاح في معاقلهم بقطلونية و سبتمانيا Septimania. حسب إخبارية المؤرخ و الأسقف القوطي خوان دي بيكلارا Juan de Biclaraا (541-621), التي دوَّنها عام 591, كان يتزعم الثوار الأريوسيين الكونت غرانيستو Granisto و الكونت فيلدجريو Wildegerio, بدعم و مساندة من الأسقف أتالوغو Atalogo. بعث الملك ريكاريدو من عاصمته طليطلة الدوق كلاوديو Claudio حاكم لوسيتانيا لإخضاعهم, فهزمهم هزيمة ماحقة. لكن الإخباري خوان دي بيكلارا يخبرنا بأن تعداد جيش العدو الأريوسي المهزوم كان 60 ألف مقاتل بينما كان تعداد جيش المنتصرين...300 مقاتل فقط.

الرواية الثانية: خلال السنوات الأولى للغزو العربي المزعوم, شهد شمال إسبانيا معركة تُعرفُ بمعركة "كوفادونغا" وذلك على أطراف مغارة للسيدة العذراء. وِفقَ إخبارية الملك ألفونسو الثالث (المُلقب بالعظيم)  (848م-910), واجه المسيحيون عدوا أُطلقَ عليه على التوالي: كلداني ثم عربي. أسفرت المعركة عن مقتل 124 ألف من الأعداء. حاول 60 ألفا الفرار عبر جبال أشتورياس, لكنهم حوصروا في وادٍ يعتقد البعض أنه "ديفا" Deva, قبل أن ينهار فوقهم جزء من الجبل و يقضي عليهم. هذه ليست واقعة فريدة في التاريخ, فالإخباري ألفونسو الثالث يعلق عليها قائلا: "لا تتوهموا أن الأمر يتعلق بمعجزة غبية أو بمجرد مزحة. استحضروا كيف أنقذت السماء بني إسرائيل في البحر الأحمر من بطش المصريين, لأن نفس الأمر حدث حينما هوى جزء كبير من الجبل فوق رؤوس هؤلاء العرب الذين اضطهدوا كنيسة الرب" (26). الطابع العجائبي لهاتين الروايتين, و هو ملمح خاص بتلك الفترة, استمر حتى يومنا هذا في أعمال المؤرخين و المتخصصين المعاصرين, كما استمر في المقررات التعليمية. كان من الصعب على الإخباريين القدامى, مسيحيين كانوا أم مسلمين, التوفيق بين الأحداث التاريخية و مبادئهم الدينية. أما الذين جاؤوا بعدهم فقد رفضوا في حالات عديدة خوض نقاشات لا نهاية لها. ليأتي المؤلفون المعاصرون و يتجنبوا الحديث في الموضوع باعتباره عتيقا و مُتجاوزا. لهذا بقي الطابع العجائبي لهذه الأحداث, و هو طابع وليد القرن التاسع, قائما إلى يومنا هذا. و يتعلق الأمر بغزو إسبانيا من طرف العرب, معركتي كوفادونغا و بواتيي Poitiers (بلاط الشهداء), قدوم القديس يعقوب بن زبدي (سانتياغو) Santiagoلإسبانيا و دفنه في كومبوستيلا Compostela, و النكبة التي تعرض لها رولاند Rolando في ممر وادي رونسفال.

لقد تدخل مُركبٌ دينيٌ في تحرير النصوص و كذلك في التعليقات التي صاحبتها, مسيحية كانت أو مسلمةُ, قديمة كانت أو معاصرة. مع ذلك, بفعل التطور المستمر للعلوم التاريخية أظهرَ بعض مؤرخي القرن الثامن عشر حِسَّا نقديا لا نلمسه في مؤرخي القرنين التاسع عشر و العشرين. فنجد مثلا الأب بنيتو فييخو Benito Feijooا(1676-1764) يُحذِّرُ قُراءه من التوصيفات التي كانت تُوصف بها معركة بلاط الشهداء (بواتيي), حيث الرواية الخيالية تغلب على الحقيقة التاريخية (27). كما حاول غيره من العارفين بالمسائل اللاهوتية التوفيق بين مبادئهم الدينية, الجامدة أحيانا, و تأويلٍ علمي للأحداث. و أبرزُ هؤلاء هو الأب إنريكي فلوريث اEnrique Florez (1702-1773) الذي سنتوقف عند بعض أحكامه لأنها ستمكننا من الفهم الجيد للروح التي تم على ضوئها تصَوُرُ و تدوين السجلات القديمة.

كان الأب فلوريث يتمتع بذكاء نقدي يكفي لتمييز الغث من السمين. مع ذلك, اندفع بوازع المُركب الديني و أقر دون تثبتٍ صحة أحداث خيالية و غير معقولة كان متاحا مناقشتها في عصره بجرأة, بينما اختار مؤلفو عصرنا الصمتَ المطبقَ كجواب عليها. خلال تعليقه على إخبارية خوان دي بيكلارا, لم يُشكك الأب فلوريث و لو للحظة في صحة الرواية القائلة بأن الكونت كلاوديو هزم 60 ألف مهرطق ب300 جندي فقط. بالنسبة له الأمر محسوم, و أدلته تبدو متناسقة: فلا وجود لأي خطأ في قراءة النص و لا وجود لصفر زائد, فقد كان الإخباري خوان دي بيكلارا معاصرا للأحداث التي دارت قريبا من المكان الذي كان يقيم فيه. كما أنه لم يكن مجرد شاهد عيان عادي, فقد كان يُعتبر خلال عصره الشخصيةَ الأكثر كفاءةَ في مجال الإنسانيات. و قد قضى سنوات طويلة في القسطنطينية لتوسيع مداركه. هذا و قد كان إزيدورو الإشبيليIsidoro de Sevilla يغبطه على علومه الإغريقية (28). كان راهبا في دير بيكلارا, و تمت ترقيته لاستحقاقه إلى أسقفٍ لخيرونا. لذا لا مجال للشك لا في علمه, و لا في حسن نيته. من جهته, كتب فلوريث في تاريخه "إسبانيا المُقدسة": "لأنه حمل السلاح (الكونت كلاوديو) في سبيل العقيدة, فإن ربَّ الجيوش وقف بجانبه, و بالتالي ليس غريبا أن تنتصر القِلَّةُ على الكثرة. ليست في الحادثة مبالغة, فقد سبقتها نماذج شبيهة لم تُصَدق, ليس لطابعها العجيب, و إنما  لصحتها" (29). لقد وضع صاحبنا الأصبع على الجرح. لا يوجد أدنى شك لديه. بالتالي, من خلال تشديده على صحة الرواية, تبنى هذا العالم الذي عاش في القرن الثامن عشر نفس المنطلق الفكري الذي كان لخوان دي بيكلارا قبل أكثر من ألف سنة منه زمنه. غير أن الأب فلوريث سيستعيد في نفس الإخبارية المنطقَ الصحيحَ و التفكير السديدَ. فعلى بُعد صفحات قليلة من تعليقه على معركة الكونت كلاوديو, فسَّر الأب فلوريث كيف أنَّ ملك فرنسا شيلبرت الأول Childeberto Iغزا أراضي  حاكم طليطلة القوطي أماليريك Amalarico, و وجد من الطبيعي اندحار هذا الأخير في المعركة نظرا لقلة جنوده مقارنة بجند شيلبرت الأول: "كان الرد باستقدام جيش كبيرِ العددِ مقارنةُ بجيش أماليريك و بالتالي انتصر عليه" (30).

هكذا إذن, عندما تكون العجائبية في صف المذهب الديني الخصم, يغضب المؤرخ الأب فلوريث لكن يسترد في المقابل المنطق السليم. و هذا الأمر يمكن ملاحظته أيضا في قصة غريبة للنبي محمد وردت في إخبارية "تاريخ القوط, سان إزيدورو" المنسوبة للقديس إدفونش San Ildefonsoا(606م- 657م), و إن كنا نعلمُ اليوم أنها دُوِّنت على يد شخص آخر قرنين أو ثلاثة بعد وفاة هذا القديس عام 667م, و قد نقلها الأب فلوريث في تاريخه "إسبانيا المُقدسة" Espana Sagradaبهذه العبارات: " و يُقال أن محمدا جاء إلى إسبانيا يدعو إلى خطاياه, و قد أقام منبره بقرطبة: و كان حينها القديس إيزيدورو قد سار إلى روما و عند عودته علم بنبأ الداعية الجديد الذي كان في مقاطعته, فأرسل منذوبيه لاعتقاله, لكن الشيطان تجلى للنبي الكاذب  و أنذره للفرار. يا إلهي, و يُنسبُ هذا للقديس إدفونش, بل  و قد تم تصديقه. هكذا هي القرون" (31).

لم ينتبه هذا الناقد أنه قد ابتلع بدوره أكاذيب من نفس الحجم و أنه يكيل نفس الشيء بمكيالين.

قد يبدو من المُستغرَب بالنسبة للقارئ أن عالِماً مرموقا ينتمي لعصر الأنوار آمن بهزيمة 60 ألف رجل على يد 300 فقط. و نحن نُجيب أن الأكثر غرابة من ذلك إيمان أساتذة متخصصين في القرن العشرين برواية احتلال و إخضاع أراضي شاسعة تمتد من خليج سرت إلى جبال البرانس في ظرف 15 سنة فقط. بل إن هذه الرواية مقبولة في جميع الكُتب و تُدرسُ في جميع مدارس العالم. هكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام كيلٍ بمكيالين. فما السبب إذن؟

أولا, كل واحد منا إلا وقد مارس رياضة ما و له فكرة عن المجهود البدني أو خاض تجربة الحرب و القتال. من خلال هذه التجارب يبدو من البديهي أنه إذا لم تكن تمتلك تفوقا تقنيا ساحقا (مدافع نارية أو قنابل ذرية), وكنتَ أنتَ و عدوك تمتلكان نفس الأسلحة, كما كان الحال آنذاك, فلا بد أن تكون الغلبة حينها للأكثر عددا. فالرجلُ الواحد, مهما بلغت قوته, لا يمكنه سحق أَلفَين.

ثانيا, لا يحيط المتخصصون و المؤرخون و العامة بالإشكاليات الجغرافية المتعلقة بالموضوع. فجميعهم مهووسون بالأحكام التاريخية المُسبقة التي نقشها التعليمُ في الأذهان طيلة ألف سنة. من جهة أخرى, لا يوجد إلى اليوم أي تفسير تاريخي للأحداث يمكنه أن يَحُلَّ محل التفسير الذي نَنقُذُهُ. خصوصا أن الإسبان بالفعل تحدثوا بالعربية, و بالفعل قامت في إسبانيا حضارة عربية...فلم يجدوا من تفسير لهذا التحول العجيب إلا في الرواية الوحيدة الموجودة و هي رواية الغزو العربي المزعوم.

نحن الآن في وضع يسمح لنا بتشريح هذا المُركَب المبني على أساسين اثنين: حُكمٌ مسبقٌ يتطور بفعل التكرار و الروتين؛ و غياب حس نقدي بسبب كسل ذهني ساهمت في تكريسه ألف سنة من فرض الرأي الواحد و العقيدة الواحدة. فإذا كان الجميع يؤمن بنظرية الغزو, فمن المُستبعَدِ أن يُجهد أحدهم نفسه بالبحث عن حل لإشكالية لم تُطرح آنذاك. فمن السهل إذن تحميل الطابع العجائبي للنصوص القديمة لمؤلفيها. لكنهم كانوا بشرا مثلنا. و إذا كانوا ضحايا أحكام مُسبقة مبالغ فيها, فمن منا ليست له نفس الأحكام اليوم و لا تتحكم بمواقفه و آرائه؟

كان المؤرخ القوطي خوان دي بيكلارا خاضعا لمركب ديني حين تأليفه لإخباريته, فقد كان يعايش صراعا دمويا بين الأريوسيين و المُثَلثين. مع ذلك كان تفكيره منطقيا بالنسبة إلى عصره. ففي زمانه كان الجميع يؤمن بالروايات الخيالية الواردة في العهد القديم, و كان المنطق السائد: إذا وقعت أمور خارقة للعادة قبل قرون, ما المانع من تكرارها زماننا؟ إذا كان بطل العهد القديم شمشون بن منوح قد حقق أعمالا خارقة للعادة, فلما لا يأتي ابن بلدي كلاوديو بمثلها؟ كان من الصعب حقيقة رميُ الحجرة الأولى على المؤرخ القوطي. لكنه ارتكب مع ذلك زلة واضحة. حينما شرع في سرد وقائع حادثةٍ جرت على مقربة من مقر إقامته, كان عليه قبل كل شيء التأكد من صحة الشهادات المقدمة حولها. كان عليه سؤال شهود عاينوا المعركة, لقرب عهده بها, و مقابلة تصريحاتهم,  و من تم تحديد عديد القوتين المتحاربتين و التحقق من ملابسات المعركة: كان عليه باختصار القيام بتحقيقٍ. و هو ما لم يقم به.

لكن من الإنصاف الإقرار بأمرين اثنين يخففان من نقدنا له: أولا, لم تكن آنذاك طريقة اشتغال للتحقيق و التقصي,  و ثانيا لم يكن بمقدور أي شخص القيام بهذه التحقيقات و الأبحاث. لقد تعلمنا من التجارب اليومية أن الحس النقدي غائبٌ لدى عموم الناس, حتى لدى الأكثر حصافة, الأمرُ الذي يُعقد مهمة إيجاد شاهدٍ جيدٍ, أي من اجتمعت فيه صحة الحكم و سلامة ظروف المعاينة. و كمثال على هذا سنورد حادثةُ وقعت قبل سنوات قليلة و قرأنا عنها في الصحف.

في عطلة نهاية الأسبوع, و في إحدى مدن شمال إسبانيا, توجه بعض الأصدقاء للغذاء في إحدى الضِياع الشهيرة الواقعة على جانب الطريق. و قد كانوا جميعا مهووسين بفن الطبخ, و هذه معلومة مهمة تبين إلمام شخصيات الحادثة بالطعام و قواعده. و صادف أن جلب أحدهم فطراَ اقتطفه للتو. فتساءلوا فيما بينهم إن كان هذا الفطر صالحا للأكل. و بعد مناقشات و مشاورات توصلوا إلى الحل التالي: إطعام إحدى القطط منه قبل تناوله لاختباره, حيث كانوا متفقين على أن فصيلة  السنوريات لها حساسية مفرطة  اتجاه الفطر المسموم. و بالفعل تناولت القطة الفطر دون إبداء أي إيحاء غريب و دون أن يصيبها أي مكروه. فتناول الأصدقاء الفطر و راحوا يستمتعون بيومهم في الطبخ و الأكل و الشرب و الضحك و الغناء. عمَّت البهجة المكان, و انضم لهم أصحاب الموائد القريبة و شاركوهم الطعام و الابتهاج...لكن سرعان ما انتشرت إشاعةُ فظيعةُ انتشار النار في الهشيم, و كان لها وقع الصاعقة, و حولت الفرح إلى ترح: لقد توفيت القطة. ساد المكان هرجٌ و مرجٌ. ركبوا جميعا سياراتهم قاصدين أقرب مركز صحي للإسعاف بحثا عن مضاد للتسمم. تقيؤوا, قاموا بغسيل للمعدة و تناولوا كل ما ينصح به الأطباء. كان الهلع سيد الموقف. بدأت العائلات في بكاء مصير أبنائها الذين اقتربت نهايتهم...بينما استدعى البعض القساوسة ليعترفوا لهم بذنوبهم حتى لا تفوتهم الحافلة المتوجهة إلى الفردوس الأعلى. بعد بضعة أيام على الواقعة, تبينت حقيقة ما جرى: فالقطة ماتت بالفعل... بعد أن صدمتها سيارة أجرة.

هذه الواقعة, و وقائع أخرى مشابهة, تُبيِّنُ لنا السهولة التي يتسلل بها الخطأ إلى تأويل الأحداث اليومية, حتى الروتينية منها, لدى أناسٍ طبيعيي الذكاء. فما بالك بالعصور السابقة لما كانت الطبقة المُفكرة ضئيلة العدد و كان السواد الاعظم مكوَّنا من الجماهير الجاهلة. قد يَرُدُّ علينا القارئ بأن طريقةَ علميةَ استُحدثت في عصر النهضة تحديدا لتجنب الوقوع في مثل هذه الهفوات. و نجيبه بأنه اعتمادا على خبرتنا و معرفتنا , تتلاشى كل طريقة علمية أمام الأفكار المسبقة, دينية كانت أو قومية أو غيرها. و لو طُبقت هذه الطريقة بكل أمانة علمية, فسيتم حذف نصف ما ترويه النصوص حول الأحداث التي وقعت في العصور القديمة و المعاصرة.

فالمؤرخون يعتقدون أن إسبانيا تعرضت للغزو من طرف بدوٍ  قادمين من الحجاز, لكنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء مطالعة الخريطة للوقوف على مقدار المسافة الواجب قطعها, و لم ينكبوا على دراسة الحواجز الجغرافية الواجب تجاوزها خلال هذه الرحلة الطويلة جدا. جميع النصوص تؤكد أن معركة كوفادونغا كانت فاتحةَ حربِ الاسترداد, لكنهم لا ينتبهون إلى أن هذا الأخدود المغلق  لا يتسع إلا لمعركة بين عدد قليل من المقاتلين و ليس لمئات الآلاف كما تشير إلى ذلك الروايات.

حالة الأب فلوريث هي أكثر تعقيدا. فحسه النقدي و أحكامه الدينية المُسبقَة كانا يخوضان صراعا في ذهنه. هو مُحقٌ في رفضه الخرافة المحمدية. فمحمد كان منعزلا حينها في جزيرته العربية منهمكا في حربه ضد مواطنيه بمكة. ما الهدف الذي كانت تبتغي تحقيقه زيارة النبي لضفاف الوادي الكبير؟ لكن, في صفحات قليلة إلى الوراء, خُدِعَ الأبُ الصالح حينما أكد صحة أسطورة يعقوب بن زبدي (سانتياغو), غيرَ منتبهٍ إلى ارتكابه نفس الخطيئة التي كان ينهى عنها. فما الذي دفع حواريي يعقوب بن زبدي (سانتياغو) للقدوم إلى جليقية؟ ما الذي دفعهم للقيام بهذه الرحلة الطويلة لدفن جثمانه في حقول كومبوستيلا, أبعد ما خلق الله في العالم المُكتشَف آنذاك, منطقة من دون شك لم يسمع عنها الحواري قيد حياته؟ (32).

تكتسي هذه النقاشات أهمية كبيرة بالنسبة لطرحنا, لأنها تسمح لنا بإصدار حكم  أقرب للصحة حول قيمة الإخباريات القديمة كوثائق تاريخية. فهفوة خوان دي بيكلارا هي في الحد ذاتها شهادة تنطوي على معلومة مهمة, فهي تدلنا على شخصية هذا الإخباري. كان رجلا نال حظا مهما من العلم, و كان يعيش على مقربة من مكان المعركة. لكن روايته عن هذه المعركة لا اعتداد بها, فقد أفسدها الحكم الديني المسبق. أما نحن فرأيُنا في هذه المعركة مبني على الطريقة العلمية و الحكم النقدي لا غير, و السبب هو غياب أي حكم مسبق اليوم حول الصراع الذي كان يجمع بين الأريوسيين و المُثَلِثين. و هذا الأمر يتكرر اليوم مع خرافة الغزو العربي. فالغالبية الساحقة من المؤرخين آمنوا بصحة الإخباريات القديمة. لم يُشكك و لا مؤرخ في رواية الغزو العربي المبنيَّة على تفاصيل خرافية. فتم تصديق حكايات كانت ثمرة 150 سنة من الإشاعات و الأقاويل. هكذا انهار كل من الحكم النقدي و الطريقة العلمية أمام المُركب المكون من الحكم المسبق بوجود غزو و العجز عن تبني رأي نقدي.

كما يمكننا أن نستنتج من هذه الاعتبارات درسا آخر: بعض الخرافات استمرت رغم مرور الزمن و تم التركيز عليها, بينما نُحِّيت أخرى و جرى تجاهلها. فلماذا هذه الانتقائية؟ كانت توجد في القديم, كما في عصرنا هذا أيضا, تيارات للرأي أو ما نسميه الأفكار- القوة و التي درسنا حَرَكِيَّتها في كتاب آخر (33). فالخرافات التي تساعد أو على الأقل لا تُناقض عموميات المبادئ السائدة, كان يُبقى عليها, و هو الحال بالنسبة للخرافات المرتبطة بالغزو العربي. بينما كانت تختفي تلك التي تتناقض مع المبادئ السائدة. فلماذا إذن رُفضت خرافة دعوة محمد في الأندلس و غَضَب الراهب على إيرادها في الكتب و تصديق الناس لها؟ السبب هو معارضتها للقناعة السائدة بين المسيحيين آنذاك, فقد كانوا يرفضون رفضا قاطعا كل ما قد يوحي بوجود دعوة إسلامية قبل الغزو, و كانوا لا يقبلون في الشأن الإسباني إلا رواية واحدة: دخل الإسلام للأندلس بقوة الحديد و النار, و هذا سبب هزيمة المسيحية أمام الإسلام في إسبانيا. في المقابل, كانت أسطورة يعقوب بن زبدي (سانتياغو دي كومبستيلا) بلسما لشفاء جراحهم و ضخت دماءا جديدة في قوميتهم الوليدة, رغم أن الحواري, على غرار محمد, جاء إلى إسبانيا أيضا من الشرق الأوسط في ظروف غامضة.

بمرور الوقت, توارت الأساطير الخرافية الثانوية و بقيَ الجوهر, أي عقيدة الغزو, التي من أجلها رُويت تلك الأساطير. الغريب في الأمر هو الامتعاض, و أحيانا الفضيحة التي كان يحدثها ذكرُ هذه العجائبيات و الخرافات المُشَكِّلة لجزء لا يتجزأ من التاريخ المكتوب لإسبانيا. ليس هذا ذنبنا. إذا قبلتَ خرافة الغزو, فما عليك إلا أن تبتلع أيضا الأساطير و الفنتزيات التي رافقتها منذ نشأتها و المسرودة في كل الكتب و الإخباريات. فلولا تلك الفنتزيات و الروايات العجائبية لما كان هناك وجود لأسطورة الغزو العربي.

الهوامش:


26) Edicion Gomez Moreno. Las primeras cronicas de la Reconquista : El ciclo de Alfonso III, Boletin de la 
Historia, 1932, p 615.

27) Feijoo : Teatro critico. T VI : Apologia de algunos personages 
famosos en la historia
ملاحظة فييخو في محلها. فرغم شح المعلومات الموثَقة عن معركة بلاط الشهداء, نجد المؤرخين يتوسعون في وصف المعركة و كأنهم شاركوا فيها: يصفون حركات القوات و ساحة المعركة و عدد القتلى و الجرحى و الأسرى...فيتعدون حدود التأريخ إلى سرد رواية.

28) Thompson, ibid, p38.
حول نفس الموضوع, « Isidore de Seville et la culture classique dans l’Espagne wisigothique » Jacques Fontaine.

29)  Florez : Espana Sagrada. T V, pp215-218.

30)  Florez  : Espana Sagrada.. T V, P 250.

31) Florez : Espana Sagrada. T V, pp285-286.

32)  لم تعترف روما بالأساطير القروأوسطية المتعلقة بالقديس يعقوب بن زبدي (سانتياغو) و لا بعلاقته بإسبانيا. و قد تقبلتها كنوع من التقاليد الدينية المحلية أو القومية. و قد أجمل غارسية فيادا في الجزء الاول من "تاريخ إسبانيا الكنسي" النقاشات التي دارت حول الموضوع من دون أن يتخذ موقفا معينا في القضية.

33) Ignacio olague, « La decadencia espanola »T 2. Primera parte. Madrid . 1950.

مدونة صلة الرحم بالأندلس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق