الأحد، 23 أغسطس 2015

الرئيس الجمهوري الإسباني مانويل السانية


الزعيم الجمهوري الإسباني مانويل السانية

هشام زليم.

مدونة صلة الرحم بالأندلس. 
مانويل آزانيا

مانويل السانية دياث Manuel Azana Diaz (وُلد بقلعة إيناريس Alcala de Henares قرب مدريد في العاشر من يناير 1880 و توفي بمدينة مونتابون  الفرنسية في الثالث من نونبر 1940) هو سياسي, صحفي, مفكر و أديب إسباني شهير تولى رئاسة الحكومة الإسبانية على فترتين ما بين 1931 و 1933, و عام 1936, كما تولى رئاسة الجمهورية الإسبانية الثانية ما بين 1936 و 1939.


يعتبر مانويل السانية واحدا من أهم الساسة و الخطباء المفوهين في الحياة السياسية الإسبانية خلال القرن العشرين, إضافة لكونه صحفيا و كاتبا لامعا. حاز الجائزة الوطنية للأدب عام 1926 عن كتابه "حياة الدون خوان فاليرا" Vida de Don Juan Valera. من أشهر مؤلفاته La velada en Beni Carlo و هو نص حواري يتأمل فيه سنوات الثلاثينيات في إسبانيا. تعتبر مذكراته واحدة من أهم الوثائق الواجب الإطلاع عليها للإحاطة بالفترة التاريخية التي عاش فيها.


 الطفولة و المراهقة

مانويل آزانيا طفلا
وُلد مانويل السانية لعائلة ميسورة ذات ثقل سياسي و ثقافي مهم في حياة قلعة إنارس. والده إستبان آزانيا كاتارينيو كان مَلاَّكا و والدته مارية خوثيفينا دياث كايو موغوروزا كانت ربة بيت. كان الوالد إستبان سليل عائلة معروفة بتولي أبنائها مهنة التوثيق و أمانة البلدية, و قد تعاطى هو بدوره للسياسة و شغل منصب عمدة المدينة. ما بين 1882 و 1883 نشر كتابه "تاريخ قلعة إينارس" و أصدره في مجلدين. أما عائلة والدته فكانت تتعاطى التجارة, و هي تنحدر من بلدة إيسكالادا Escalada ببرغش Burgos. اسمه "مانويل" ورثه من جده لوالدته مانويل دياث كايو الذي تزوج من جدته مارية خوثيفا موغوروزا. أجداده من جهة والده هما غريغوريو آزانيا و كونسيبسيون كاتارينيو.
المنزل الذي ولد به مانويل بالقلعة إينارس

كان مانويل الثاني بين 4 إخوة (غريغوريو, خوثيفا ثم كارلوس). توفي والداه في سن مبكرة فلعب خاله فليكس دياث كايو دورا مهما في رعاية مانويل و إخوته و قد كان له تأثير فكري عليه, كما قامت جدتهم لوالدتهم كونسيبسيون كاتارينيو برعايتهم.

عُرف بكونه تلميذا نجيبا. يوم 24 يوليوز 1889 تُوفيت والدته, و بعد 6 أشهر و تحديدا 10 يناير 1890 تبعها والده. هكذا ذهب مانويل و إخوته إلى منزل جدتهم كونسيبسيون و بدأ هناك أولى مطالعاته ناهلا من الكتب المختلفة التي جمعها جده غريغوريو. فعُرف بنهمه الكبير بالمطالعة و قراءة الكتب.
توقيعه

بتوجيه من جدته, درس مانويل القانون. في الموسم الدراسي 1896-1897 عانى مانويل من أزمة دينية دفعته لترك المدرسة  و متابعة تعليمه في المنزل. يقول المؤرخ سانتوس خوليا عن هذه الأزمة الدينية: "لم يكن عداءا و لا حقدا و لا أي نوع من "التمرد الكفري" كما أفتى أحد القساوسة الذي خلط بين مشاعر شاب في السادسة عشر أخبر يوما ما عن عدم رغبته في الاعتراف (في الكنيسة) مع ملحد ناشط. بكل بساطة, الدين بالشكل الذي عاشه في طفولته و خلال مراهقته لم يعد يعني له شيئا".


ما بين 1897 و 1898 أصدر رفقة بعض أصدقائه مجلة Brisas del Henares نشر فيها العديد من المقالات المحلية.

في الثالث من يوليوز 1898 اجتاز امتحان القانون بجامعة سرقسطة.

فترة الشباب

في أكتوبر 1898 انتقل إلى مدريد لتحضير الدكتوراه في الجامعة المركزية. استطاع آنذاك بدعم من خاله الحصول على وظيفة كمتدرب في مكتب المحامي لويس دياث كابينيا, و هناك التقى بنسيتو القلعة سمورة.

في فبراير 1900 قدَّم أطروحته لنيل الدكتوراه و كان عنوانها "مسؤولية الحشود", و في الثامن من أبريل نال الدكتوراه في القانون بميزة "ممتاز".

تركزت قراءاته في تلك الفترة على المؤلفات التي تناقش المسائل الاجتماعية و الاشتراكية, كما اهتم بتاريخ فرنسا و انجلترا.

في أكتوبر 1899 أصبح عضوا في أكاديمية التشريع و شارك بفاعلية في العديد من النقاشات. في يناير 1902ألقى في الأكاديمية محاضرة حول "حرية الجمعية" تناول فيها ضرورة تنظيم الدولة للهيئات و المجالس الدينية, و دعى إلى احترام حرية التعليم للجمعيات الكاثوليكية التي شُكلت لهذا الغرض. و في تدخلاته على أطروحات مشاركين آخرين في الأكاديمية, عبر مانويل آزانيا عن عدة أفكار من قبيل أن الأمر الحاسم لاختيار نظام للحكم ملكيا كان أو جمهوريا هو مدى قبول الناس له, إضافة لمبادئ المساواة بين المواطنين, الاقتراع العام, السيادة الوطنية و المجالس النيابية. كما دعى إلى ضرورة القيام بإصلاح قوانين حرية الأسواق مع الاعتراف بحرية تشكيل جمعيات للطبقة العاملة.

في أواخر عام 1900 انخرط آزانيا في الملتقى الأدبي و الثقافي أتينيو مدريد Ateneo انتقد من خلاله باستمرار جيل 98 و حركة البعث.


من جهة أخرى, ابتداءا من فبراير 1901 بدأ التعامل مع مجلة "Gente vieja" من خلال نشر نصوص أدبية و نقد مسرحي, و كان يوقع مقالاته بالاسم المستعار سالفادور رودريغو الذي دأب على استعماله منذ مراهقته. 


في عام 1903 عاد فجأة إلى بلدته القلعة إينارس لإدارة أعمال العائلة رفقة شقيقه غريغوريو و كانت عبارة عن ضيعة و معمل للطوب و النسيج و مصنعا للكهرباء يحمل اسم "المركزية الكهربائية كومبلوتنسي". موازاة مع ذلك استأنف نشاطه الأدبي و انكب على كتابة سيرة ذاتية, سماها "وظيفة خيرونيمو غارسيس " La vocacion de Jeronimo Garcés. كما عاد لعمله الصحفي من خلال مجلة محلية اسمها "La Avispa" أسسها شقيقه غريغوريو و بعض الأصدقاء.

 لكن فشل إدارة الأعمال العائلية دفعه للعودة إلى مدريد. في عام 1910 تحصل على وظيفة في وزارة العدل. بالموازاة مع مهنته استمر مانويل في إنتاجه الفكري. ففي سنة 1911 نظم أول لقاء سياسي في "دار الشعب" ببلدته القلعة إينارس ناقش خلاله موضوع المرحلة آنذاك "الأزمة الإسبانية", و لكن عوض التركيز على الحل الذي كان يقترحه معظم المفكرين لهذه الأزمة, و الكامن في المدرسة, رأى مانويل آزانيا أن المشكل يكمن في الدولة. فخطب قائلا في هذا اللقاء: "يكمن الحل في تنظيم الدولة ديمقراطيا, إنه الدواء الوحيد للقطيعة مع العزلة عن الحياة الثقافية الأوربية"..."و لتحقيق ذلك من الضروري تحرير (إسبانيا) من القوى الاجتماعية التي تعيقها, و ذلك من خلال العمل السياسي لمواطنين واعين بواجباتهم".

في نفس السنة, و من خلال مقالين نشرهما في صحيفة "La correspondencia de Espana" انتقد آزانيا بشدة جيل 98 و على رأسهم الفيلسوف بيو باروخا Pio Baroja داعيا إلى عمل سياسي نشيط من طرف المواطنين لحل الأزمة الإسبانية.


في فبراير 1911, و بغرض متابعة دراسة القانون المدني الفرنسي بجامعة باريس, طلب منحة لفترة 6 أشهر و قُبل طلبه. وصل إلى باريس يوم 24 نونبر و قضى بها سنة كاملة قام خلالها بأنشطة فكرية مكثفة ترك عنها شهادات في تدوينات شخصية و في عدة مقالات بعثها بالاسم المستعار مارتن بينيول إلى صحيفة La correspondencia de Espana. أٌعجبَ آزانيا كثيرا بباريس و اعتبرها عملا حضاريا فريدا عرف كيف يجمع بين الإرث النصراني و توظيف المنطق. كما تطرق في مقالات أخرى لأهمية إعادة تأهيل عمل البرلمان كصمام أمان للأمن الوطني, كما تطرق لمفهوم "الوطن" الذي كان يربطه بالثقافة, العدالة و الحرية لتحقيق الصالح المشترك.

زار في باريس العديد من الكنائس و المآثر, و حضر ملتقيات و مؤتمرات ناقشت مواضيع متعددة, كتلك التي ألقاها ألفرد لوازي Alfred Loisy عن تاريخ الأديان و أخرى حول الطب النفسي لهنري بييرونHenri Pieron.


تعرف على المفكر لويس دي هويوس Luis de Hoyos  و ربط معه علاقة صداقة, ثم ما لبث أن أحب ابنته مرثيدس ذات ال15 سنة. قضى بضعة أيام من شتنبر في بلجيكا قبل أن يعود يوم 28 أكتوبر 1912 إلى إسبانيا.
مانويل آزانيا 

انضم في فبراير 1913 للجنة المنظمة للتظاهرة الثقافية أتينيو Ateneo و عُين أمينا عاما لها. تقدُم رئيس هذه التظاهرة رفاييل مارية دي لابرا في السن و كثرة انشغالاته ألقت على كاهل مانويل آزانيا بعض مسؤوليات و وظائف الرئيس خاصة في عام 1916. هكذا أعاد آزانيا الحياة لمكتبة الأتينيو و نجح في حل مشاكل اقتصادية كانت تتخبط فيها المؤسسة.

بالموازاة مع ذلك, شرع مانويل آزانيا في تعلم اللغة الألمانية, كما بدأ يفكر جديا في القيام بدراسة حول الأدب الناجم عن فواجع عام 1898, فدرس من أجل ذلك القرون الأولى المبكرة باحثا فيها عن تفسير للانحطاط الإسباني, و قام بحوارات نقدية و جدلية مع المفكرين الذين تناولوا منذ نهاية القرن 19 مسألة فواجع عام 1898. كنتيجة لهذه الأبحاث بلور آزانيا مفهوما شخصيا للوطن يُقصي منه الوجود القرووسطي (مع أنه يناقض ذلك حينما يبحث عن الآباء الحقيقيين لهذا الوطن بين شخصيات القرون الوسطى) و يُعَرفه ك"مساواة المواطنين أمام القانون".

في هذه الفترة تعمقت أواصر صداقته بالأديب شيبريانو دي ريفاس الشريف Cipriano de Rivas Cherif. 

فترة النضج و بدايات العمل السياسي

في أواسط أكتوبر 1913 ساند مانويل آزانيا إلى جانب المؤرخ خوثي أورتيكا إي كاسيت و ثلة من المفكرين الشباب إنشاء "عصبة التربية السياسية بإسبانيا" مهمتها التربية السياسية للجموع و ربط مصير إسبانيا بتقدم الليبرالية و بمشروع القومية و التكثل لمزاولة أي نوع من الحراك السياسي يفتح الأبواب على الديمقراطية دون الخروج عن الملكية. 

سياسيا, اعتُبرَ بيان إنشاء العصبة دعما صريحا للحزب الإصلاحي الذي كان يتزعمه ملكويادس الفارس  MelquiadésAlvarez ما دفع الكثيرين منهم للانخراط في هذا الحزب بمن فيهم آزانيا.

 في أول خطاب له كعضو في هذا الحزب و ذلك في دجنبر 1913, دعى آزانيا مرة أخرى لديمقراطية برلمانية و إلى ضرورة قيام دولة علمانية و ذات سيادة, كما نادى بالعدالة الاجتماعية و بالثقافة و شدد على الحاجة العاجلة للقضاء على التلقين الكنسي. كما استبعد إمكانية تحقيق هذه المطالب بمساعدة الاشتراكيين, الجمهوريين أو الليبراليين. 

كان يود الترشح في انتخابات 8 مارس 1914عن دائرة بلدة قلعة إينارس لكنه تراجع عن ذلك خشية قلاقل قد تحدث في بلدته بسبب الانقسام السياسي الحاصل بها. النتائج الانتخابية الهزيلة التي جناها الحزب الإصلاحي, بالإضافة لتواجد مفكرين أكثر من الساسة في الحزب هي عوامل أضعفته و عززت النقاش حول إمكانية التقارب مع الحزب الليبرالي بزعامة الكوندي رومانونيس, و هو ما كان يرفضه مانويل آزانيا بصفة قاطعة.

موقفه خلال الحرب العالمية الأولى

اصطف آزانيا عند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 إلى جانب الحلفاء و قام ببعض أنشطة الدعم المعنوي لهم. فوضع رهن إشارة المفكرين الفرنسيين منابر الأتينيو, و ساند بيان الانضمام للأمم المتحالفة (الذي نُشرَ في إسبانيا يوم 9 يوليوز 1915), و في أكتوبر 1916 زار فرنسا رفقة مجموعة من المفكرين الإسبان زاروا خلالها مواقع قريبة من جبهة القتال. و إلى جانب إعجابه بالقوة المعنوية التي أظهرها الفرنسيون طيلة الحرب, عبَّرَ آزانيا أيضا عن رفضه للفضائع التي نتجت عنها. 


في إسبانيا, تصاعد الجدل بين المناصرين للحلفاء و المساندين لألمانيا. أسبوعية  "إسبانيا" نشرت بيانا لمجموعة تُدعى "عصبة المناهضين لألمانيا" و كان آزانيا من بين الموقعين عليه. و كدعم فكري للعُصبة, ألقى آزانيا خطابا في أتينيو بعنوان "دوافع مولاة ألمانيا", اعتبر فيه أن حياد إسبانيا في الحرب العالمية الأولى راجع بالأساس لعجز البلاد في الميدان العسكري, و بسط فيه مظاهر مقاومة الفرنسيين الباسلة, كما جدد حديثه عن مفهوم الوطنية المرتبطة مباشرة بالفضيلة المواطنة, و هي الدافع الأمثل للمواطنين كأفراد في مجتمع سياسي.

في شتنبر 1917, قام آزانيا بزيارة لإيطاليا رفقة أعلام الفلاسفة و التاريخ آنذاك: مكيل دي أونامونو, أمريكو كاسترو, سانتياغو روسينيول, و كان الهدف زيارة جبهات القتال. في نونبر من نفس السنة سافر مرة أخرى إلى فرنسا لنفس الغاية. 

ابتداءا من يناير 1918, شرع في تنظيم سلسلة من المحاضرات في إطار الأتينيو حول "السياسة العسكرية للجمهورية الفرنسية" جمعها في موسوعة من 3 مجلدات حول فرنسا لم يُنشَر منها إلا الجزء الأول الخاص بالمجال العسكري. 

النظرية السياسية لآزانيا

تنبني نظرية مانويل آزانيا على أن "المجتمع العصري يقوم على عقد يقبل بموجبه الأفراد وضع جزء من حريتهم لصالح تشكيل الجماعة؛ الجيش الوطني هو أحد المؤسسات التي تُحدد هذا العقد,.... دفاعا عن الأمة, المواطنون دون تفريق طبقي, عليهم أن يكونوا على استعداد ليمنحوا ليس فقط أعواما من أعمارهم, بل حياتهم كاملة إذا تطلب الأمر".

كان آزانيا يرى أن الدولة العصرية تخلق الأمة, و مع الوقت تخلق الفرد أيضا و تمنحه حقوقا تسمح له بالدفاع عن الدولة.


كنتيجة لاطلاعه على الملف العسكري, أوكل له الحزب الإصلاحي مهمة تطوير الشق الإيديولوجي في الحرب البرية و البحرية. كان آزانيا يرى ضرورة إبعاد الجيش عن السياسة و تخفيض عدد الضباط أو على الأقل منع ارتفاعه و تخفيض مدة الخدمة العسكرية.

عودة للنشاط السياسي 

عاد للعمل السياسي و تقدم للانتخابات العامة في 24 فبراير 1919 عن مقاطعة إلبوينتي دي أرزوبيسبو. كان برنامجه الانتخابي مبنيا على ضرورة الوحدة و خصوصا وحدة اليسار و روج لفكرته حول الوطن كقيمة للرجال الاحرار. كما شن في الملتقيات الخطابية أولى هجماته المباشرة على النظام الملكي و تحدث عن إمكانية حدوث ثورة, و بالقوة إذا تطلب الأمر, لتغيير جمود الواقع الإسباني. حصل مانويل آزانيا على 4139 صوتا لم تكن كافية لمنحه مقعدا نيابيا. 

في ماي 1919, و خلال ملتقى خطابي نظمه الحزب الإصلاحي لإدانة منح صلاحية حل المجلس النيابي لحكومة أنطونيو ماورا, ألقى آزانيا خطابا تحدث فيه عن انهيار آماله الليبرالية التي ربطها بحقوق العمال كأفراد. أبرز هذا الملتقى أن آمال الإصلاحيين في إصلاح النظام القائم قد تبخرت ما دفعهم للتقرب من اليسار, خصوصا الاشتراكيين.

بالتزامن مع ذلك, شارك مانويل آزانيا إلى جانب العديد من المفكرين الجمهوريين, الاشتراكيين و الإصلاحيين, في إنشاء "الاتحاد الديمقراطي الإسباني لعصبة مجتمع الأمم الحرة" المنادي بديمقراطية كاملة في إسبانيا. العلاقات الطيبة بين القادة السياسيين لهذه التيارات تعززت أكثر من خلال تنظيم مؤتمرات مشتركة أطلقوا عليها "الوضع السياسي الراهن" و دارت في إطار الأتينيو انطلاقا من أبريل 1919.

بين أكتوبر 1919 و أبريل 1920 عاش مانويل في باريس رفقة صديقه ريفاس الشريف و عمل كمراسل خاص ليومية لوفيغارو Le Figaro الفرنسية حيث حرر لها مقالات حول الوضع السياسي في فرنسا بعد الحرب و الانتقادات الموجهة لهذه الحرب.

في بداية عام 1920, قطع مانويل علاقته بأتينيو و استقال من منصب الامين العام, و هو ما يُعتبرُ مؤشرا على انشغال فكري جديد كانت من أهم تجلياته تأسيسه إلى جانب ريفاس الشريف لمجلة أدبية حضيت برعاية المهندس المعماري آموس سلفادور. هكذا إذن صدرت في يونيو 1920 مجلة "الريشة" La pluma الأدبية. كتب آزانيا و باقي الصحفيين في جميع الأنواع الأدبية, من مقالات النقد الأدبي إلى المقالات السياسية.

في عام 1923 عُين لإنقاذ مجلة "إسبانيا" فكان عليه التضحية بمجلة "الريشة". زاد آزانيا من جرعات المقالات السياسية و عكس انطباعاته حول مسارات أعلام الحزب الإصلاحي, الذي عُينَ في دجنبر 1922 أحد أعضائه و يُدعى خوثي مانويل بدريغال وزيرا للتجهيز, كما انتقد بشدة تبعية الحكومة للعسكر و للكنيسة. 

في أبريل 1923 أعاد ترشحه للمجلس النيابي عن مقاطعة إلبوينتي ديل أرزوبيسبو, و حصل على عدد أصوات مماثل للمرة السابقة.


موقف آزانيا من انقلاب بريمو دي ربيرا

شكل انقلاب بريمو دي ربيرا عام 1923 لحظة حاسمة في مسار آزانيا السياسي. في البداية, قام بقطيعة مع الحزب الإصلاحي لاعتباره أن قاعدته الإيديولوجية و الأخلاقية غير كافية لمواجهة الوضع السياسي الإسباني. فقد كان آزانيا يرى في البداية أن هذا الحزب أُسِسَ لدَمقرطة الملكية, مع إبقاء شكلها و هيبتها التاريخية, لكن قبول الحزب بالانقلاب العسكري اعتبره آزانيا خيانة لا تُغتفر و فشلا ذريعا مُني به الخط السياسي للحزب الذي بقي يضع ثقته في الملكية. و كنتيجة للقرار الأول, قاطع آزانيا المؤسسة الملكية بالكُلية, كما ابتعد نهائيا عن كثير من شخصيات جيل 98 و جيل البعث الذين وجدوا في دكتاتورية بريمو دي ربيرا فرصة للقطيعة مع النظام السابق, الأمر الذي اعتبره آزانيا غير مقبول.

و كنتيجة لكل ذلك, أصبح آزانيا يرى الديمقراطية مرادفة للجمهورية التي جعلها قاعدة انطلاق لمحاولة الوصول للوحدة بين الجمهوريين و الاشتراكيين. هكذا رشح خوليان بستيرو و فرناندو دي لوس رييس لتمثيل هذه الحركة الجديدة في الحياة السياسية التي اعتبرها "قادرة على مواجهة المعسكر الاستعبادي الظلامي المتحالف, بالمقاومة في البداية, ثم بالهجوم المعاكس بعد ذلك, من خلال الإرادة الليبرالية الكامنة تحت الخضوع الكاذب للبلاد".

بعد الإنقلاب, أُغلقت صحيفة "إسبانيا" بعد التضييق على الصحافة. في ماي 1924 أصدر بيانا بعنوان "دعوة إلى الجمهورية" رفض مجموعة من المقربين تسهيل توزيعه. فنُشر في النهاية في  مدينة لاكورونيا بصورة سرية. فحوى البيان أن الملكية هي ذاتها الحكم المطلق, و أن الديمقراطية ليست ممكنة إلا في ظل الجمهورية, لهذا فتح الباب لتحالف سياسي واسع ما على الراغبين في الانضمام له إلا قبول الافكار المطروحة سابقا, أي عليهم الاعتراف بجوهره الليبرالي بالمعنى الحرفي للعبارة: الفرد كصاحب حقوق, و الامة كإطار حيث يحقق الشخص الحر مصيره. هكذا نظَّرَ مانويل آزانيا لحركة جمهورية بأياد عمالية و بورجوازية ليبرالية. لم يلقَ المنشور حماسا كبيرا.

سياسيا, أجهض النظام الجديد كل مبادرة لمراقبة الديكتاتورية, فعاد آزانيا إلى شغفه بالكتابة و بدأ بالمشاركة في اجتماعات سرية كانت تُقام في مختبر للصيدلي خوثي خيرال بشارع أطوشة في مدريد. في هذا المكان بدأ العمل بشكل أكثر نشاطا في الإعداد للجمهورية, و هو أمر جسَّدهُ في بيان جديد كتبه في ماي 1925. إيديولوجيا, كرس هذا البيان ما نشره في بيان الدعوة السابق, لكنه أدخل فيه أمرا جديدا يتمثل في اعتباره نواة لمجموعة سياسية تشكلت عام 1925 من أفراد في الاجتماعات السرية التي أُطلق عليها في البداية "مجموعة العمل الجمهوري" أو "مجموعة العمل السياسي". يُشبع الإسم رغبة عدم الاختلاط بالأحزاب السياسية التقليدية و تشكيل حلقة وصل بينها. في هذا الإطار, كان أول تقارب مع الحزب الجمهوري الراديكالي لأليخاندرو لوغوكس, فنتج عن ذلك "التحالف الجمهوري" الذي انخرط فيه أيضا الحزب الجمهوري الليبرالي ممثلا بشخص مانويل إيلاريو أيوزو و أيضا الحزب الجمهوري القطلوني ممثلا بمارسلينو دومنغو.

بمناسبة الاحتفاء بقيام الجمهورية الأولى يوم 11 شتنبر 1926 قام آزانيا بأول نشاط رسمي للتحالف الجمهوري. في "بيان للبلاد", قدَّم مشروعه كحلقة مفصلية للجمهورية, كما طالب بتنظيم فدرالي للدولة, و منح أهمية للتعليم, و القيام بإصلاحات زراعية و سن تشريع اجتماعي...إلخ.

ازداد موقف الدكتاتورية قوة خصوصا بعد تهدئة الأوضاع شمال المغرب, فوُئدت أدنى مبادرة سياسية. في عام 1926 كانت علاقات آزانيا مع أليخاندرو لوغوكس قوية حيث شارك آزانيا في منزل أليخاندرو في اجتماعات التحالف الجمهوري, كما تم الحديث في مناسبات عديدة عن مشاريع تمرد عسكري ضد الدكتاتورية.

كان آزانيا يلجأ كثيرا لنشاطه ككاتب, ففي عام 1926 مُنحت له الجائزة الوطنية للأدب لسيرته للدون خوان فاليرا التي لم يقم بنشرها. كما عاد إلى فكرته حول علاقة أفكار جيل 98 بالديكتاتورية و قام بنقد لاذع لكتاب Idearium espanol لأنخيل كانفيت. كما قام بتحليل ثورة الكومنروسComuneros ضد الملك كارلوس الاول حيث كان يرى فيها فاتحة ثورات الدولة الثالثة التي ظلت منذ ذلك الحين في مواجهة الملكية و طبقة النبلاء. كان بذلك يعزز فكرته القائمة على ضرورة وحدة سياسية بين البرجوازية و الطبقة العاملة لاستعادة الفكرة القديمة القائمة على أن الطريق يمر عبر الثورة و ليس عبر التطور و ذلك للقضاء على السلطة المبنية على التحالف بين العرش و حكم الأقلية.


نشر مانويل في عام 1927 رواية "حدائق الرهبان", و هو نص سردي بمعطيات سيرته و قد تلقاها النقاد بقبول حسن عموما. الدراما التي يصفها في الرواية هي تشكيل الفرد, حيث أشبع التعليم الذي يتلقاه في صباه نقدا. كما أعطى اهتماما خاصا بالمسرح, حيث قدم عام 1928 عمله "العرش".

بالنسبة لحياته الخاصة, في فبراير 1929 تزوج من مارية دولورس دي ريفاس الشريف و ذلك بكنيسة سان خيرونيمو الريال بمدريد.

الزعيم الجمهوري

في يناير 1930, خلق انسحاب الدكتاتور بريمو دي ربيرا بلبلة في الساحة السياسية و أدى لانبعاث الحركة الجمهورية. هكذا, و في 8 فبراير ظهرت للعلن جماعة "الحركة الجمهورية" و استعاد آزانيا فكرته القائمة على تحالف كبير للقوى السياسية المتحدة في الفكرة الجمهورية, مع أمر جديد , و هو تجاهل كل ما يمث لغير اليسار بصلة, و شدَّد على أن الجمهورية "ستحمي من دون شك جميع الإسبان, ستمنح للجميع العدالة و الحرية, لن تكون مَلكية من دون ملك : يجب أن تكون جمهورية, يُنظِّرُ لها جمهوريون , و محكومة و مسيرة وفق إرادة الجمهوريين.".

بالتزامن مع ذلك, كان على آزانيا أيضا التعامل مع المشكلة القطلونية. من وجهة نظره, رغم عدم تصوره لانفصال, اعترف بوجوب السماح بمنح الحق لقطلونية في اختيار إن كانت تريد الانفصال عن إسبانيا.

في يونيو 1930 ترأس مؤسسة أتينيو و جعلها في خدمة الحراك الجمهوري و تحقيق الهدف العاجل المتمثل في خلق جبهة موحدة. هكذا نجح في تحقيق ميثاق بين التحالف الجمهوري و الحزب الراديكالي الاشتراكي, ثم مع الحزب الاشتراكي الفدرالي و الفدرالية الجمهورية الجليقية. في نفس الوقت, و بدعم من مكيل ماورا تم إنشاء يمين ليببرالي مكون من شباب ملكيين سابقين.

التهييئ لإسقاط الملكية و إعلان الجمهورية

في 28 شتنبر 1930 نُظم مؤتمر جماهيري جمهوري ضخم في ساحة الثيران دي لاس فينتاس بمدريد. تحدث آزانيا إلى جانب آخرين فحيّا الجمهور و اعتبرهم مظهرا للإدرادة الوطنية و عرّفهم كمجالس نيابية عفوية للثورة الشعبية, مكررا فكرته القديمة حول أهمية الأفراد في تشكيل الجمهورية مشددا على أهمية الثورة الشعبية لتحريك المياه الراكدة: "نحن رجال عازمون على الوصول لمرتبة المواطنين أو الموت و نحن نحاول. و يوما ما ستقومون لهذا النداء الذي يلخص فكرتي: يسقط الطغاة !".

في النهاية تشكل التحالف الجمهوري بوجود راديكاليي أليخاندرو لوغوكس و أنصار حركة آزانيا. في أكتوبر دعا الاشتراكيين للانضمام للتحالف, و قد كان هؤلاء منقسمين إزاء الانضمام بين معارضين كبستيرو و موافقين كلارغو كاباييرو. أمام إرهاصات تمرد عسكري قادم, دعا آزانيا و القلعة زمورة الاشتراكيين إلى أن تتزامن الانتفاضة العسكرية مع ثورة العمال, حتى يكون العسكر, الشعب و الطبقة الوسطى هم القادة و ليس الجيش وحده. وافق الاشتراكيون مقابل منحهم منصبين في اللجنة الثورية للتحالف الجمهوري.

في اجتماعات لاحقة, تقرر إعلان إضراب عام يوم الانتفاضة في عموم إسبانيا, و تم تهييء بيان كان سيُوزعُ قبل الانتفاضة يدعو للثورة و تشكلت الحكومة المؤقتة التي ستتولى السلطة, تقلد خلالها آزانيا منصب وزير الحربية.

يوم 15 دجنبر 1930 و هو اليوم المحدد للتمرد , لم تجر الامور كما خُطط لها و اعتُقلَ القادة الجمهوريون. استطاع آزانيا الاختباء في منزل صهره ريفاس الشريف حيث اعتكف طيلة شهر يكتب رواية Fresdeval التي تحكي قصص تاريخ عائلته  بالقلعة إينارس في القرن 19 و انتقد فيها الليبراليين لعدم معرفتهم كيف يستغلون حرب الاستقلال لتأسيس الأمة.

قيام الجمهورية الثانية

راقب مانويل آزانيا من مخبئه تطورات الوضع و حاول دعم شرعية الحكومة المؤقتة المُعلنة في 15 دجنبر, و استبق نتائج الانتخابات البلدية المقررة بعد فترة و اعتبر أنه إذا لم يحصل تدخل للجيش لصالح المَلكية, فإن الشعب سيقول كلمته فيها و يُعبرَ عن رأيه و اعتبرها فرصة للقيام بالهَبَّة الشعبية. هكذا, في 12 أبريل 1931 فاز التحالف الجمهوري-الاشتراكي في الانتخابات البلدية في المدن الكبرى. أمام حماسة ساكنة مدريد الذين خرجوا للشارع, استُقبل آزانيا بالمنزل الذي كان يختبأ فيه من طرف رفاقه, و ذهبوا  جميعا إلى باب الشمس ليُطلوا بعد ذلك من على شُرفة وزارة المحافظات.

في نفس الليلة, رافق مانويل آزانيا قائد المدفعية أرتورو مننديث إلى قصر بوينافيستا حيث التقى بنائب وزير الجيش الجنرال رويز فورنيس. هكذا عُينَ مانويل آزانيا وزيرا للجيوش و أٌخبرت جميع الوحدات العسكرية بالأمر وطُلبَ منها إبداء الوطنية و الانضباط, بعد ذلك و من خلال قرار وزاري وضع إجبارية إبداء جميع أعضاء الجهاز العسكري للولاء و الإخلاص للجمهورية, و أصبح بالتالي الولاء للمؤسسات المندثرة غير ذي معنى. هذا القرار المعروف بقرار آزانيا, بدأ بمسلسل تقليص عديد الجيش. عموما, بارك المفكرون هذه الخطوات, لكنها في المقابل أزعجت للغاية الطبقات العليا العسكرية.

كنتيجة طبيعية لقيام الجمهورية, و بمناسبة قرب إجراء انتخابات المجالس التأسيسية, تحولت الجماعة السياسية لآزانيا "الحركة الجمهورية" لحزب سياسي و قررت تبني توجه يساري. خلال مؤتمره الوطني الأول, الذي أقيم في نهاية شهر مايو 1931 وُضِعَ برنامجه السياسي الذي كان وسطا بين الاشتراكيين و راديكاليي لوغوكس. في المؤتمر الخطابي الذي نُظمَ في افتتاح الحملة الانتخابية في بلنسية  في شهر يونيو, أعاد آزانيا التأكيد على عزمه القطيعة التامة مع الماضي و إعادة بناء البلاد و الدولة, و لهذا شدد على ضرورة القضاء على التلقين الكنسي.

في انتخابات 28 يونيو, تحصلت الحركة الجمهورية على 21 مقعدا. كان الهدف التالي محاولة الخروج من التبعية للوغوكس و عدم القطيعة مع الاشتراكيين, و دعم التحالف و تقويته و تعزيز الموقف اليساري للحزب, و هو الأمر الذي تم التشديد عليه في المؤتمر الوطني للحزب الذي أقيم في شتنبر, و أبقي على أزانيا على إثره رئيسا للحزب. خلال خطاب ختام المؤتمر, شدد آزانيا على ضرورة تغلغل الجمهورية في كل أجهزة الدولة, و ركز بصفة خاصة على الميدان التعليمي, و بالتحديد المدارس التي تسيطر عليها الهيئات الدينية الكاثوليكية.


المسألة الدينية و الدستور الجديد

دار حول هذا الموضوع جدل كبير خلال إعداد مسودة الدستور عام 1931, و تحديدا عند مناقشة البند 24 (سيصبح بعدها رقم 26). في البداية, إضافة لإخضاع الهيئات الدينية و الجمعيات لسلطة الدولة, ينص البند على حل المؤسسات الدينية و تأميم ممتلكاتها. المؤسسات الكاثوليكية بالإضافة لساسة كُثُر, بينهم رئيس الحكومة نسيتو القلعة سمورة عارضوا ذلك, فتم إعادة صياغة البند حتى لا يُعرقل تشكيل الحكومة.

آزانيا, و خشية من انسحاب القلعة سمورة من رئاسة الوزراء, إضافة لماورا و لوغوكس من الحكومة فتبقى هذه الأخيرة في يد اليساريين فقط, قرر دعم الصيغة الجديدة التي خُففت فيها المواضيع الخلافية, هكذا لن تُحل سوى الهيئات الدينية الموالية لسلطة غير سلطة الدولة, و سيُمنع مزاولة التعليم و الصناعة و التجارة عن المؤسسات الدينية المتبقية.
رئيسي الجمهورية الإسبانية الثانية مانويل آزانيا و نسيتو القلعة سمورة 

يوم 13 أكتوبر ألقى آزانيا خطابا في البرلمان حث فيه المتشددين اليساريين على التفكر في مزايا الصيغة الجديدة للبند. بالنسبة له, عدم حل جميع الهيئات الدينية يضع "المسألة الدينية" في نطاقها الصحيح, فهي " لا يمكنها تجاوز نطاق الضمير الفردي". هو مشكل سياسي خاص بتكوين الدولة و تنظيمها بشكل يتماشى و شعار الجمهورية "إسبانيا لم تعد كاثوليكية".

هكذا إذن, استعرض آزانيا فكرته القائمة على أن النواة الأولى للثقافة الإسبانية لم تكن الكاثوليكية, و أنه لن تكون هناك عودة للخلف. فكرته تنبني على وجوب تعويض هذه الديانة القومية  بأخرى ذات طابع علماني. لهذا كان يكفيه منع الهيئات الدينية من التدريس و إعلان حرية المعتقد بالنسبة للمواطنين.

هكذا قام آزانيا ما بين أبريل و أكتوبر بإصلاحات شاملة للسياسة العسكرية و الدينية لإسبانيا. الوقع النفسي لكل هذه الأسابيع على آزانيا لخصه هو نفسه في هذه الجملة: "بدى و كأن ما حدث جرى لغيري".

كلما توالت الأسابيع, ازدادت مهمة تشكيل الحكومة صعوبة و كانت تُوجه الأنظار نحو آزانيا كرئيس مُحتمل للوزراء. التصويت الإيجابي على بند المسألة الدينية دفع لاستقالة رئيس الوزراء نسيتو القلعة سمورة. ماورا الذي بدوره استقال من الحكومة, شدّد على أنه لا يوجد إلا خيارين للتعويض: لوغوكس أو آزانيا. لوغوكس سحب ترشحه و أعلن أن آزانيا هو الرجل الأنسب باعتباره يمثل حزبا ذو أقلية قد يعمل كحلقة وصل بين الأحزاب ذات الأغلبية.

آزانيا رئيسا للحكومة

هكذا خلف آزانيا نسيتو القلعة سمورة في رئاسة الحكومة المؤقتة للجمهورية الإسبانية الثانية في أكتوبر من عام 1931.

تمثلت الأهداف الآنية للحكومة الجديدة في المصادقة على الدستور و على ميزانية الجمهورية, و وضع قانون للإصلاح الزراعي. كما وضعت قانونا للدفاع بغية منح صلاحيات استثنائية للحكومة في حال الضرورة, و سنت قانونا يُخفض بشكل كبير عديد الموظفين. بعد المصادقة على الدستور, عُينَ نسيتو القلعة سمورة رئيسا للجمهورية, مُدخِلا بذلك اليمين الليبرالي الكاثوليكي كقوة سياسية مشاركة في إدارة البلاد. في دجنبر نجح في الحصول على موافقة التحالف الجمهوري للتحالف مع الاشتراكيين في إطار الحكومة, ما أدى للانسحاب الفوري للوغوكس من الحكومة. في الحين قدَّم آزانيا استقالة حكومته للرئيس القلعة سمورة و ترك بين يديه مسؤولية إيجاد حل للأزمة. رئيس الجمهورية, و بعد تشاور مع باستيرو و لوغوكس نفسه, كلّف مرة أخرى آزانيا بتشكيل الحكومة, فأراد هذا الأخير مرة أخرى إعادة التوازنات السابقة. لكن لوغوكس رفض الانضمام للحكومة بسبب عدم توافقه مع الاشتراكيين. فعاد آزانيا مرة أخرى لتقديم استقالته للقلعة سمورة, و عاد هذا الاخير مرة أخرى أيضا لتكليف آزانيا بتشكيل حكومة جديدة.

في 17 دجنبر نجح آزانيا في تقديم برنامج حكومي اعتُبر طموحا للغاية, كانت أهم نقاطه: قانون الإصلاح الزراعي و إدخال النقابات في المفاوضات العمالية, بالإضافة لقانون المعتقدات و المؤسسات الدينية, قانون  الحكم الذاتي لقطلونية, إصلاح تعليمي يهدف إلى تعميم التعليم الأولي, السماح بالطلاق و إصلاح قانون الأحوال الشخصية, المساواة في الحقوق بين الرجل و المرأة, و الانتهاء من الإصلاح العسكري...

في خضم هذا البحر المتلاطم من المشاكل وجد آزانيا الوقت لعرض مسرحيته الدرامية "العرش" التي ألفها و عرضها في برشلونة يوم 19 دجنبر 1931.

في عام 1932 كان على الحكومة مواجهة مشكلتين اجتماعيتين خطيرتين: إضراب عام دعت له فيدرالية عمال الأرض UGT و تمخض عنه العديد من القتلى سواء في صفوف الحرس المدني أو في صفوف المتظاهرين, ثم مشكلة إعلان الشيوعية التحريرية في منطقة كوينكا دي يوبريغاط. في كلتا الحالتين, برر آزانيا استعمال القوة العسكرية باعتبارها الوسيلة الوحيدة, ليس للسيطرة على الإضرابات, و إنما لإعادة فرض النظام الذي تمَّ خرقه بشكل سافر.

في 2 فبراير, انخرط آزانيا في الماسونية لأغراض سياسية و ذلك لتسهيل العلاقات مع الحزب الجمهوري الراديكالي برئاسة لوغوكس, علما أن المحفل الذي دارت فيه مراسيم انضمام آزانيا للماسونية كان تابعا لأنصار لوغوكس الذي بات حزبه يعارض الحكومة بين الفينة و الأخرى. من جهة أخرى, منذ رئاسة آزانيا للحكومة واجه 4 مؤامرات حيكت ضد الجمهورية. الأولى حاكها الملك المعزول ألفونسو الثالث عشر دي بوربون بغية العودة للعرش الإسباني, ثم مؤامرة أخرى حاكتها عناصر ملكية تابعة للأمير دون خوان كانوا يبحثون عن إسقاط ألفونسو و إعلان الدون خوان ملكا لإسبانيا بدلا منه, و الثالثة كانت مؤامرة بطابع عسكري بسبب سخط بعض قادة و ضباط الجيش, و قد تزعمها الجنرالان باريرا و كافالكانتي. كانت التهيئ لهذه المؤامرة قد انطلق منذ أواسط عام 1931. و أخيرا, و ليلة 9 إلى 10 غشت 1932 اندلعت مؤامرة أخرى, أيضا بقيادة الجنرال باريرا رفقة, هذه المرة, الجنرال سان خورخو, و قد استطاع آزانيا إحباطها بمساعدة الحرس المدني.

خرجت حكومة آزانيا قوية من هذه السلسلة من محاولات الانقلاب الفاشلة. استغل آزانيا لحظة انتصاره و سافر للعديد من المدن, بينها برشلونة التي استقبلته في شتنبر وسط جموع حاشدة شاكرة له قانون الحكم الذاتي لقطلونية. و هناك ذكَّر بأن مصير قطلونية و إسبانيا متحد في الجمهورية.

في مارس 1933 ظهرت الكاثوليكية كقوة سياسية تحت مسمى الكونفدرالية الإسبانية لليمينيين المستقلين CEDA, بزعامة المحامي الصلمنكي الشاب خوثي مارية خيل روبلس. آزانيا و الاحزاب الجمهورية قللوا من أهميتها و قدرتها على جذب قطاعات واسعة في المجتمع الإسباني, منطلقين من تصور مثالي للجمهورية حيث الشعب لا ينتمي لأي طرف على وجه التحديد. النتائج البلدية ل 23 أبريل 1933 منحت لهذا اليمين المتطرف الجديد مجالا حاسما في الساحة السياسية الإسبانية, في الوقت الذي كان فيه الجمهوريون يتفككون أكثر فأكثر.


حتى في أصعب اللحظات  التي مرت منها حكومته التي كانت تتعرض لانتقاذات لاذعة, بقي آزانيا يدافع عن إيجابيات سياسته و حافظ على علاقته بالاشتراكيين الذين كان يراهم أساسيين لخلق ما كان يسميه النظام الجمهوري الجديد. هكذا توطدت روابطه مع الزعيم الاشتراكي إنداليسيو برييطو Indalecio Prieto الذي ربط معه ليس علاقة شخصية فقط, و لكن اتفاقا شاملا على الاستراتيجيات و التكتيكات السياسية. يوم 8 يونيو , و في خضم أزمة الموضوع الديني, و مع أغلبية الصحافة و المفكرين ضده, استقال آزانيا, فكُلفَ مرة أخرى بتشكيل الحكومة. فحاول مرة أخرى إدخال الراديكاليين التابعين للوروكس, لكن مارتنيز باريو منع هذا الأخير من ذلك بسبب إبقاء آزانيا على الاشتراكيين في الحكومة. لم تُعمِّر الحكومة الجديدة طويلا: فعلاقة آزانيا بالقلعة سمورة ازدادت سوءا بعد إقرار قانون المعتقدات, كما أن الانقسام بين الاشتراكيين و الجمهوريين ازداد عمقا.

كان شتاء عام 1933 صعبا على آزانيا كرئيس للحكومة. أحداث الدور القديمة Casas Viejas , كاستيبلانكو و أرنيدو شكلت ذريعة لقيام الوسط اليميني التابع للوغوكس بحملة سياسية ضد الحكومة منتقدا الفشل الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و محملا جزءا من المسؤولية للتحالف مع الاشتراكيين, إضافة لانتقادات اليمين بزعامة مكيل ماورا, ما أدى لإقالة آزانيا في 7 شتنبر 1933 من طرف الرئيس نسيتو القلعة سمورة, و تكليف أليخاندرو لوغوكس بتشكيل الحكومة.

في المعارضة:

قدَّم حزب الحركة الجمهورية كلاوديو سانشيز البرنس Claudio Sanchez Albornoz لتولي منصب وزير دولة في حكومة لوغوكس, و هو ما رفضه الاشتراكيون فقرروا القطيعة مع الجمهوريين. أخيرا, و عندما لم يحصل لوغوكس على دعم البرلمان, كلَّف القلعة سمورة مارتنيز باريو الذي بعد قبول لوغوكس لها, قدم يوم 9 أكتوبر حكومة مركزة بمشاركة سياسيين اشتراكيين. في السادس عشر من أكتوبر, في خطاب ختم المؤتمر الوطني للحركة الجمهورية, أكد آزانيا تشبته بالسياسة التي انتهجها كرئيس للحكومة و بدا فخورا بالثورة التي أحدثها على شكل العديد من التغييرات في النظام السياسي, العائلي و الديني...إلخ. و مع قرب الانتخابات في نونبر, بحث آزانيا بكل الوسائل عن التحالف مع الاشتراكيين, لمعرفته أنه عكس ذلك, الهزيمة أمام اليمين ستكون حتمية.

و بالفعل, في 19 نونبر 1933 فاز التحالف اليميني المشكل من الحزب الجمهوري الليبرالي لأليخاندرو لوغوكس و الكونفدرالية الإسبانية لليمينيين المستقلين (CEDA) برزعامة خوثي مارية خيل روبلس. حافظ آزانيا على مقعده النيابي بعد ترشحه في دائرة الاشتراكي إنداليسيو برييطو ببلباو, الذي رغم نصائح حزبه واصل التحالف مع الجمهوريين. في 16 دجنبر وصل لوغوكس لرئاسة الوزراء بدعم من يمينيي خيل روبلس الذي عبر منذ اللحظة الأولى عن رغبته في الحكم. بدى آزانيا من خلال تصريحات صحفية عديدة منتقدا جدا لنوايا يمينيي CEDA في الحكم, علما أنهم لم يُبدو إخلاصهم للجمهورية, فرفض بالتالي مبدأ الاستيلاء على السلطة عبر التصويت و إضمار نية القضاء على هذا النظام الذي أوصلهم للحكم. في هذا الإطار شدد بوضوح على تراتبية الأولويات في الدولة: "فوق الدستور توجد الجمهورية, و فوق الجمهورية هناك الثورة".

من جهة أخرى, أعطى آزانيا في هذه الشهور الأولى من عام 1934 أهمية خاصة لمسألة ضرورة حصول وحدة بين الأحزاب اليسارية الجمهورية كسبيل وحيد وسط بين الاستقطاب الذي شرع فيه اليمين الكاثوليكي و الحزب الاشتراكي. في هذا السياق تمَّ حلُ الحركة الجمهورية و المنظمة الجمهورية الجليقية المستقلة و الحزب الراديكالي الاشتراكي المستقل وذمجهم في حزب جديد سُميَ "اليسار الجمهوري" و ذلك في أبريل 1934 برئاسة آزانيا نفسه. منذ خطابه الأول في هذا المنصب عبر عن امتعاضه من أولئك الجمهوريين الذين اختاروا التحالف مع يمين معاد للجمهورية كي يحكموا البلد, و ضمنيا, استبعد أي تحالف مستقبلا مع هؤلاء الجمهوريين.

بعد ذلك, دخل آزانيا في شبه انعزال سياسي و عاد لأنشطته الأدبية و الإصدارية. و صدر له في تلك الفترة كتابان : "سياسة" و "في السلطة و في المعارضة" و هي جمع لخطاباته البرلمانية. في تلك الأثناء كانت أزمة حكومية تعصف بحكومة لوغوكس اليمينية, فعاد آزانيا إلى الخط السياسي الأول, و قام بعدة محادثات مع جمهوريي الوسط و اليمين بغرض رفع اقتراح لرئيس الجمهورية نسيتو القلعة سمورة بتشكيل حكومة وطنية للدفاع عن الجمهورية و ذلك من خلال حل البرلمان. لم يقبل رئيس الجمهورية الاقتراح و اقتصر الأمر على إعادة ترتيب العلاقات الشخصية بين مختلف الزعماء الجمهوريين باليسار و اليمين و الوسط. حاول آزانيا مرة أخرى الوصول لتحالف مع الاشتراكيين لأغراض انتخابية, لكن ذلك كان مستحيلا بسبب نفور هؤلاء من النظام الجمهوري الذي اعتبروه على صفحات جريدتهم "الاشتراكي" نظاما ليس أفضل حالا من النظام الملكي.

في 30 غشت, قضى آزانيا عطلة قصيرة في قطلونية تم تكريمه خلالها في قاعة غصت ب 1025 من الحضور و ألقى في ختامها خطابا حلَّل فيه الوضع السياسي الراهن. عبر عن استيائه من سقوط السياسة في يد عصابة سياسية و شدد على أن الوضع ما له إلا مخرجان للانفراج: الاقتراع العام أو الثورة. و قد استبعد بكل وضوح المسار الانتخابي لأن ذلك يعني هزيمة أكيدة  أمام تحالف اليمين و الوسط بينما اليسار في أقصى حالات التشرذم. فيما يخص الثورة ذكَّر مرة أخرى أنه لا يمكن تفتيت النظام الجمهوري من الداخل في إشارة لليمينيين أعداء الجمهورية. في بداية أكتوبر, تم حلُ حكومة سامبير و كُلف لوغوكس بتشكيل حكومة جديدة تضمنت 3 وزراء من CEDA. في الحين أعلنت حكومة إقليم قطلونية قيام الجمهورية الفدرالية الإسبانية و قيام دولة قطلونية داخلها, و هو ما رفض آزانيا الانخراط فيه معتبرا أن ولاءه  للدستور و لميثاق الحكم الذاتي. بداية أكتوبر شهدت إضرابا عاما في كل إسبانيا, جرت خلاله الأحداث الخطيرة في أشتورياس. في نفس الوقت بدأت تسري الإشاعات عن ثورة محتملة و عن صعود محتمل لآزانيا إلى رئاسة الجمهورية. هذه الإشاعات عززها تواجد آزانيا في برشلونة التي كانت المُنطلق المحتمل لقيام هذه الثورة. في الثامن من أكتوبر اعتقلته السلطات العسكرية.

اعتُقل آزانيا على متن عدة سفن عسكرية  (سفينة "قادش" و المدمرات "القلعة غاليانو" و "سانشيز باركيز تغوير") حيث استُجوب عدة مرات من طرف قضاة حول علاقته بتمرد برشلونة و بشحنة أسلحة عُثرَ عليها في باخرة توركويزا في شاطئ سان إستبان دي برافيا بأشتورياس, و أيضا عن اتصالاته بمواطنين برتغاليين حيث كان يُعتقد أنه أراد مساعدتهم عام 1931 على القيام في البرتغال بأمر يشبه إعلان الجمهورية الإسبانية الثانية.

يوم 28 دجنبر قررت المحكمة العليا وقف التحقيق و إطلاق سراحه. روى آزانيا هذه الأحداث في كتابه "تمردي في برشلونة" Mi rebelion en Barcelona حيث انتقد بشدة بعد قطاعات القومية القطلونية الذين وسمهم بمعاداة الديمقراطية, المتسلطين و الديماغوجيين. خلال فترة حجزه حصلت موجة من التضامن مع شخصه تُعادلُ الانتقادات التي طالته من اليمين الملكي و الكاثوليكي. كنتيجة لهذا التناقض في المشاعر حول شخصه حصل انقسام واضح بين أنصاره (الآزانيون) و منتقديه, امتد في الزمان و في ميادين السياسة. في بداية يناير 1935 اتفق مع عدة أعضاء في المجلس الوطني لليسار الجمهوري على إبقاء هوية الحزب و الولاء للدستور و التشديد على الحاجة للوحدة بين الأحزاب الجمهورية استعدادا للانتخابات القادمة. في هذه الشهور الأولى كان عليه مواجهة تهمة أخرى وجهها يمينيو CEDA و الراديكاليون إليه, حيث حملوه مسؤولية بيع شحنة أسلحة للاشتراكيين الثوريين في أشتورياس.

يوم 20 مارس ألقى خطابا في البرلمان قطع فيه الطريق على أي علاقة سياسية محتملة مع نسيتو القلعة سمورة (الذي حمله جزءا من الأزمة السياسية بتغذيته لكل أنواع الإشاعات) و دعا إلى ضرورة حل البرلمان و الدعوة لانتخابات للخروج من هذه الوضعية السياسية الصعبة. في نهاية ماي, و انطلاقا من خطاب أما حشد جماهيري في ملعب الميستايا لكرة القدم في بلنسية (و هو حدث وصفته جريدة الشمس El Sol بأنه الحدث الأكثر أهمية في المرحلة الأخيرة) دشن سلسلة من الفعاليات العامة بهدف المطالبة بحماية الجمهورية و ضرورة تحالف الأحزاب الموالية لها. كان نجاحه الشخصي باهرا. أما اللقاء الخطابي في كونياس قرب مدريد و الذي حضره حشد غفير  فقد دعت له جريدة إلبويبلو لسان الحزب الشيوعي الإسباني. كانت خطاباته تشدد على نفس الأفكار: سياسة مبنية على دستور إصلاحي في المجال الاجتماعي و مبني على الاقتراع العام. أولى ثمار هذا النشاط كانت إعادة العلاقة مع إندلسيو برييطو إلى درجة أن هذا الاخير دعاه في شهر شتنبر لمرافقته في رحلة رفقة زوجته إلى بلجيكا. مع ذلك, و حين عودته لإسبانيا حافظ الزعيم الاشتراكي الآخر لارغو كاباييرو على سلبيته إزاء أي تحالف مع الجمهوريين مُكرسا بذلك قطيعته مع خط الاشتراكي إندليسيو برييطو. أمام كل هذا, بدى أن أزمة حكومية تُسرِّعُ دخول يمينيي CEDA  إلى السلطة, ما دفع لارغو كاباييرو إلى تغيير موقفه و الموافقة على التحالف مع آزانيا, و هو تحالف صوري فقط لأجل الانتخابات و ليس لتشكيل حكمومة مستقبلية, هذا التحالف انخرط فيه أيضا النقابيون و الشيوعيون. سُميَ هذا التحالف الجمهوري الجديد ب"الجبهة الشعبية".

آزانيا رئيسا للحكومة من جديد

يوم 16 فبراير 1936 فاز هذا التحالف اليساري في الانتخابات. في الحين استقال رئيس البرلمان مانويل بورتيلا فايادارس و تولى آزانيا رئاسة الحكومة قبل تشكيل البرلمان. رسائل آزانيا إلى المواطنين كانت تصب دائما في نفس الاتجاه: تهدئة الضغائن, وضع أسس قوية للديمقراطية, تطبيق البرنامج الإصلاحي بإخلاص, دمقرطة الجيش لتفادي حالات كالتي حصلت في الساعات الأخيرة (بعد انتصار الجبهة الشعبية, سرت إشاعات حول انقلاب عسكري محتمل), إقرار العفو (بالنسبة لمعتقلي ثورة أكتوبر 1934), إعادة النظام و تطبيق القانون.

يوم 19 فبراير 1936 تشكلت الحكومة الجديدة التي كانت تُمثل تحالف اليسار الجمهوري و الاتحاد الجمهوري. و في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات جارية للعفو عن المعتقلين جراء قمع ثورة 1934 و إعادة العلاقات مع قطلونية عبر إلغاء وقف تنفيذ قانون الحكم الذاتي, أسفرت حالة الطوارئ المُعلنة في البلاد عن اعتقال العديد من قادة الفالانخي الإسباني بتهمة محاولة اغتيال نفدها الفالانخيون يوم 12 مارس ضد نائب رئيس الكورتس لويس خمنيز دي أسوا قُتلَ خلالها أحد حراسه. أمام التوثر و العنف السائدين في البلد, خطب آزانيا في البرلمان يوم 3 أبريل محاولا تهدئة الضغائن, خصوصا أمام ارتباك أكبر حزبين ممثلين في البرلمان و لهما قادعة شعبية, يمينيو CEDA و يساريو الحزب الاشتراكي للعمال الإسبانPSOE. يوم 15 أبريل قدم آزانيا حكومته أمام البرلمان, و كان يتطلع لتولي منصب رئاسة الجمهورية حيث كان يعتقد أن شعبيته ستسمح له بتقمص دور الحكم في الرئاسة بشكل أنجع من وجوده  في رئاسة الحكومة. كما كان أحد أهم أهدافه إدخال الاشتراكيين إلى الحكومة.

يوم 30 أبريل انتُخبَ آزانيا, و هو المرشحُ الوحيدُ للأحزاب المشكلة للجبهة الشعبية, لتولي رئاسة الجمهورية, و ذلك بعد إقالة نسيتو القلعة سمورة (الذي تلقى حزبه الليبرالي الديمقراطي خسارة مدوية في الانتخابات). و يوم 10 ماي 1936 انتُخبَ رئيسا للجمهورية ب 754 صوتا من أصل 874 نائبا, و في اليوم الموالي أدى القسم.


رئيسا للجمهورية و الحرب الأهلية

أمام تبلور معالم مؤامرة عسكرية تحاك في الكواليس و حراك العمال و الفلاحين, كلف آزانيا سانتياغو قشريش كيروغا Santiago Casares Quiroga بتشكيل الحكومة, فشكل حكومة حصريا من الجمهوريين و زاول مهامه من دون أن يكترث كثيرا بما كان يموج آنذاك من أحداث خطيرة. لهذا ما أن قام الانقلاب العسكري في 18يوليوز حتى انهارت الحكومة في الحين. استقال سانتياغو قشريش كيروغا يوم 18 يوليوز و عينَ أزانيا من القصر الوطني (حيث تم نقله إليه لدواع أمنية) على وجه السرعة رئيس الكورتس دييغو مارتنيز باريو لتشكيل حكومة تضم عناصر اليمين و لا تضم الشيوعيين. لكن الحزب الاشتراكي, على لسان إندليسيو برييطو (متبعا استراتيجية لارغو كاباييرو) رفض المشاركة في حكومة كهذه. هكذا, في صبيحة 19 يوليوز تشكلت حكومة بأعضاء من اليسار الجمهوري, الاتحاد الجمهوري و الحزب القومي الجمهوري, دون أن تضم لا الاشتراكيين و لا الشيوعيين.

تحدث رئيس الوزراء مارتنيز باريو إلى بعض الجنرالات المنقلبين ككابانياس و مولا, لكن الأوان كان قد فات على العودة إلى الوراء. الاشتراكيون و النقابيون الأناركيون و الشيوعيون رفضوا بدورهم العودة إلى الوراء و طلبوا تزويدهم بالسلاح لمواجهة التمرد ضد الجمهورية و رفضوا الاعتراف بالحكومة الجديدة. هكذا استقال مارتنيز باريو في نفس اليوم 19 يوليوز. فجمع آزانيا الاحزاب بغية البحث عن حل يرضي جميع الأطراف. رهن لارغو كاباييرو مشاركة الاشتراكيين في الحكومة بتوزيع الأسلحة على النقابات و طرد جميع الجنود. هكذا كلف آزانيا خوثي خيرال بتشكيل الحكومة التي جعلها حصرية على الجمهوريين و تم توزيع الأسلحة. يوم 23 يوليوز وجه آزانيا خطابا إلى الشعب عبر الراديو حمسه و شكره على جهده في الدفاع عن الجمهورية و نافح عن شرعيتها و أدان المعتدين عليها. لكن عكس ما كان يُظهره, الذين التقوا به قبل أسابيع ثم عادوا و التقوا به بعد الانقلاب لاحظوا علامات التقدم في السن و شحوبا على وجهه و تعبا واضحا و اضطرابا في المشاعر من خلال صوته لما كان يتحدث عن فظاعات المنقلبين و التضحية التي قدمها الشعب, و كان يتحدث بلا حقد و دون أن يُظهرَ أي رغبة في الانتقام.

في بداية غشت, علم آزانيا أن فرنسا و ابريطانيا لن تدعما الجمهورية بالسلاح, فأيقن أنه لا توجد وسيلة لربح الحرب. يوم 22 غشت هاجمت جموع غفيرة سجن موديلو بمدريد فقُتلَ العديد من الأصدقاء الشخصيين لآزانيا, كان من بينهم ملكويدس الفارس. كنتيجة لكل ذلك, عزم آزانيا في اليوم الموالي على الاستقالة إلا أن أنخيل أوزوريو أقنعه في النهاية بالعدول عن اتخاذ هذا القرار. هكذا ظهر مشكل جديد في إسبانيا هو عدم الانضباط, تجزأ السلطة و النزعة نحو الانتقام و الثأر.

دفعت الفوضى العامة في بداية شتنبر لاستقالة رئيس الوزراء خوثي خيرال و حكومته. خيرال نصح بتشكيل حكومة تضم النقابات لتأثيرها في الشعب. آزانيا و رغم اعتباره أن النقابات هي المسؤولة الرئيسة عن الفوضى قرر في النهاية تفويض زعيم نقابة UGT لارغو كاباييرو برئاسة الحكومة.

كانت حكومة التحالف الجديدة مشكلة من اشتراكيين, جمهوريين, شيوعيين و عنصر من الحزب القومي الباسكي. أمام اقتراب جيش فرانكو من مدريد, قررت الحكومة نقل رئيس الجمهورية آزانيا إلى برشلونة. في نهاية أكتوبر جعل مقره و إقامته في قصر سيوداديلا. في نفس الشهر و أمام تشاؤمه من انتصار الجمهورية حاول من خلال سفراء انجلترا و بلجيكا أن تتوسط ابريطانيا لإنهاء الحرب على أن يُقرر الإسبان مصيرهم في جو من السلم و الأمن. لكن الجو الداعم للثورة في البلدين أفشل المحاولة. يوم 2 نونبر غير آزانيا إقامته إلى دير مونتيسرا, و هناك تلقى خبر منح لارغو كاباييرو 4 وزارات لنقابة CNT الأناركية. انزعج آزانيا الذي كان رافضا لتولي نقابيين مناصب سياسية, و أرسل لرئيس الوزراء اعتراضه على تعيين وزراء نقابيين في الحكومة, لكن الأوان كان قد فات على أي عودة للوراء.

طيلة الشهور الموالية, كان على آزانيا مقاومة العديد من الأمور التي كانت تحدث و لم تكن تتوافق مع قناعاته, لكن قاومها دون التخلي عن منصبه لأسباب كثيرة منها رفضه القاطع للانقلاب على الجمهورية و الاعتداء عليها, و احترامه لتضحيات المقاتلين من أجل الجمهورية, و ثالثا للجمهورية نفسها من أجل بقائها, فالجمهورية بالنسبة له هي القانون, النظام, التعايش و الديمقراطية, و هي المبادئ التي كرس لها حياته.

عاش آزانيا في عزلة و حزن طيلة شهور بين مونتسرا و برشلونة, و على هامش الحكومة الجمهورية. في دجنبر 1936 شجعه أنخل أوزوريو على الذهاب لبلنسية و هو الأمر الذي استجاب له آزانيا.

في يناير 1937, ألقى خطابا في بلدية بلنسية شدد فيه على أن الحرب و إن كانت في أصلها مشكلة داخلية سببها الانقلاب و التمرد لجزء كبير من الجيش ضد الدولة, فإن دخول قوى دولية حوَِل المشكل إلى صراع دولي خطير, كما أبرز أن إسبانيا كانت  تحارب من أجل استقلالها القومي. في هذا الإطار, شدد على  ضرورة توقيع جميع الأطراف على وقف للأعمال العدائية لتسهيل خروج القوى الأجنبية من إسبانيا و بالتالي إعادة ربط العلاقات بين أطراف الصراع للوصول إلى تنظيم استفتاء يوضح معالم الطريق.
مانويل آزانيا و الجنرال روخو قائد القوات المسلحة الجمهورية

خلال عودته لقطلونية, انتقل للعيش في برشلونة و ظل يقوم دوريا بزيارات لبلنسية حيث كان مقر الحكومة. فكر في خطة أسرها لعدة أفراد في الحكومة. اعتمدت الخطة على فرض حظر على السلاح و تدفق المقاتلين, و إعادة المقاتلين الأجانب و وقف تسليم الاسلحة . لهذا دعا لتدخل ابريطانيا العظمى و فرنسا, لكن هذا المخطط فشل بعد عدم التزام الحكومة به.

رأى آزانيا في بداية فبراير 1937 أن الطريقة الوحيدة لتغيير الوضع العسكري الذي لم يكن في صالح الجمهورية هو إخراج النقابيين من الحكومة و الإبقاء على تحالف بين الشيوعيين و الاشتراكيين و الجمهوريين. ستالين نفسه بعث عتبه على عدم أخذ الحرب بجدية و غياب الانضباط العسكري. التمرد الأناركي في برشلونة عمَّق الشرخ بين آزانيا و حكومة لارغو كاباييرو التي كانت سلبية أمام التمرد إلى حد أن آزانيا فكر مرة أخرى في الاستقالة. رغم ذلك واصل آزانيا و أدار أزمة جديدة في الحكومة على أمل أن يغادر لارغو كابايرو رئاسة الحكومة, و هو ما حصل تحت ضغط تحالف من الاشتراكيين و الشيوعيين و موافقة الجمهوريين.

كان من المنتظر أن يكون خليفته هو إندليسيو برييطو, لكن آزانيا اختار خوان نغرين لعدم ثقته في التقلبات المزاجية لأندليسيو, كما رأى أن نغرين أقدر على إدارة حكومة التحالف بالنظر لعلاقاته الطيبة مع كل القوى السياسية, و يبقى السبب الأهم هو الاعتقاد أن نغرين كان السياسي الأكثر ملائمة لإخراج البلاد من الحرب من خلال التوسط الدولي. لكن الطرف الآخر المناوئ للجمهورية, رجال الدين و الجنرالات, كانوا يرون أن هذه الحرب هي حرب "صليبية" لن تنتهي إلا بسحق الطرف الآخر و إبادته.

في هذه الفترة استقر آزانيا في بوبليتا, و هي ضيعة قريبة من بلنسية, و هناك بدأ مذكراته التي سماها: "دفتر بوبليتا: ذاكرات السياسة و الحرب", سجل فيها العديد من المحادثات مع شخصيات معاصرة.

أشار آزانيا للحكومة بما اعتبره أولويات المرحلة: "حماية الجبهة الداخلية (خاصة في قطلونية, حيث كان من الضروري فرض سلطة الحكومة) و عدم خسارة الحرب على الجبهة الخارجية. و ارتباطا بهذه النقطة الثانية, في خطاب جديد وجهه في 18 يوليوز عاد لينتقد بشدة سلبية ابريطانيا العظمى و فرنسا فيما يتعلق بالحرب الإسبانية. في نهاية عام 1937 ألقى خطابا في مدريد ركز فيه بشكل كبير على المسائل الاخلاقية للحرب و حقيقتها و نتائجها التدميرية على الجميع, و هو أمر استشعره بمرارة عند زيارته في اليوم الموالي لمسقط رأسه في القلعة إينارس. 

انتقل مرة أخرى في دجنبر لقطلونية, و هذه المرة على مقربة من تراسا في ضيعة لاباراتا, و دائما رفقة زوجته و معاونيه الأكثر قربا. ظل يدعو إلى الهدنة, لكن الآن, لا اللجنة المركزية للحزب الشيوعي و لا فرانكو كانوا يوافقون عليها, بل و لا حتى حكومة نغرين كانت توافق عليها. بعد الهجوم على ترويل, انهارت جبهة أراغون أمام زحف قوات فرانكو الذي وصلت قواته إلى البحر المتوسط في أبريل 1938. آزانيا ظل متشبتا بفكرته القائمة على استحالة الفوز في الحرب, و بأن كل مجهود موجه لتحقيق النصر العسكري مآله الفشل.


في نهاية فبراير 1938 عبَّر آزانيا بوضوح للسفير الفرنسي عن ضرورة إنهاء الحرب فورا. في هذا الإطار, اقترح على فرنسا و ابريطانيا العظمى الحصول على قواعد بحرية في قرطاجنة, و ماوون لموازنة ما كان يملكه جيش فرانكو في سبتة, مالقة و بالما, و ذلك مقابل دعم السلام في إسبانيا. انقطاع الاتصال بين برشلونة و بلنسية وضع الحكومة في مأزق, ما اضطر نغرين لطلب المساعدة مباشرة من فرنسا يوم 8 مارس. ازداد الوضع سوءا في إسبانيا, فقدمت فرنسا وعدا بالتوسط, لكن الحكومة الإسبانية الجمهورية رفضت في 26 مارس الوساطة, و ذلك لإيمان نغرين و الحكومة بحتمية الانتصار في الحرب. هكذا فكر آزانيا في عزل نغرين من رئاسة الحكومة معتمدا على الانتقادات التي طالته لعلاقته بالشيوعيين, ما دفع إندلسيو برييطو للخروج من الحكومة. كما طالته انتقادات على تدهور الوضع العسكري على العموم. في بدايات أبريل دعا آزانيا الحكومة للاجتماع على أمل الخروج بقرار إقالة نغرين, لكن الامر لم يكن ممكنا. أصبح موقفه آزانيا ضعيفا إلى حد أن برييطو أقنعه بعدم الاستقالة لأن استقالته ستكون خسارة للجميع, فآزانيا يُجسد الجمهورية التي تحترمها الدول الغير متحالفة مع فرانكو, على حد تعبير برييطو نفسه.

كان ارتباك آزانيا كبيرا إلى درجة أنه في منتصف هذا الشهر بعث تحويلا قيمته مليون فرنك فرنسي لشبريانو ريفاس الشريف كي يُهيأ لعائلته منفا في فرنسا. في فاتح ماي كشفت حكومة الوحدة الوطنية عن إعلان من 3 نقاط : الدفاع عن استقلال إسبانيا من كل قوة خارجية, إقامة جمهورية ديمقراطية, و الإعلان عن عفو عمن يريد التعاون معها.

يوم 18 يوليوز 1938 في مبنى Casas consistoriales  ببرشلونة ألقى خطابا شهيرا حض فيه على المصالحة بين المعسكرين تحت شعار السلم, التقوى و العفو. جوهر الخطاب تعبير عن تصوره للضرر الكبير الذي تلحقه الحرب بإسبانيا: "العقيدة التي تقصي من الوطنية كل من لا يؤمن بها, سواء كانت عقيدة دينية, سياسية أو اقتصادية هي  تعارض القاعدة الحقيقية للوطنية و للإحساس الوطني: أننا جميعا أبناء لنفس الشمس و ننحدر من نفس النهر".

في نهاية هذا الشهر أجرى محادثة مع جون ليتش, المكلف البريطاني بالمفاوضات, عرض فيه رأس نغرين و خروج الشيوعيين من الحكومة مقابل التدخل البريطاني لفرض وقف لتدفق الأسلحة. الجواب البريطاني لم يتغير: سياستنا هي عدم التدخل. الهزيمة في معركة الإبرو سرعت الاحداث حيث أدخلت الحكومة في أزمة مستمرة. يوم 13 يناير 1939 تلقى آزانيا إخطارا من الجنرال إرنانديث سارابيا دعاه فيه إلى مغادرة إسبانيا. يوم 21 غادر آزانيا تاراسا مع عائلته و معاونيه متجها في البداية ليافانيراس ثم لقلعة بريلادا التي وصلها يوم 24 و هناك وصلته أنباء سقوط برشلونة بيد قوات فرانكو. يوم 28 يناير استقبل نيغرين و الجنرال روخو قائد القوات المسلحة الجمهورية الذي قدم مخططا للاستسلام و تمرير السلطة بين العسكريين. طلب آزانيا من نغرين, الذي كان يبدو موافقا, أن يجمع الحكومة لاتخاذ القرار. مع ذلك بعد يومين عاد رئيس الحكومة و أخبر آزانيا أن موقفه يكمن في مواصلة المقاومة حتى النهاية.

ما أن فتحت الحكومة الفرنسية معبرا حدوديا مع إسبانيا لعبور المدنيين و العسكريين ما بين 28 يناير و 5 فبراير حتى عبر آزانيا و عائلته و مقربوه نحو فرنسا. انشقوا عن الطريق الرئيسي نحو لاباخول, و هناك اجتمع بجيل هنري يوم 4 فبراير لإخباره أنه غير متفق مع قرار نغرين الاستمرار في المقاومة, و شدد على ضرورة تدخل فرنسا و بريطانيا بدعم من الولايات المتحدة من خلال تقديم مخطط للسلام إلى فرانكو يسهل أساسا المعاملة الإنسانية للمنهزمين بمن فيهم الزعماء السياسيون و العسكريون للجمهورية. لم يقبل نغرين, فبغض النظر عن إصراره على مواصلة الحرب, كان يعلم أن فرانكو لن يقبل أبدا سلاما من هذا النوع.

في نفس اليوم, 4 فبراير, أخبر نغرين آزانيا شخصيا بأن قرارا حكوميا اتُخذَ يدعوه للجوء لسفارة إسبانيا في باريس, حتى يستطيع تنظيم عودته إلى مدريد. آزانيا أكد بما لا يدع مجال للشك, أنه لن يعود أبدا لإسبانيا بعد الحرب.

هكذا واصلوا سفرهم يوم الخامس من فبراير نحو المنفى. كانوا في المجموع 20 فردا, استقل كبار السن سيارات للشرطة. قبل الوصول لإحدى المحطات تعطلت إحدى السيارات في أعلى العقبة فمنعت الأخريات من المرور, ما أجبرهم على مواصلة الطريق على أقدامهم, فوصلوا فجرا عبر الحدود إلى مركز الجمارك. قصد آزانيا و زوجته, و نغرين و خوثي خيرال و شبريانو ريفاس, و مانيوس مارتنيزمنطقة Les Illes.

في المنفى: الاستقالة و الوفاة.

انتقلوا من Les Iles إلى Collonges sous-Salève التي وصلوها يوم 6 فبراير للاستقرار في La Prasle حيث منزل صهره شيبريانو ريفاس الشريف و زوجته كارمن إبانييز كاياردو اكترياه صيف 1938. من هنا أكد للسفير في فرنسا مارسلينو باسكوا أنه سيصل يوم 8 إلى باريس, و سيمكث بها لبضعة أيام.

يوم 12 فبراير قدَّم له الجنرال روخو استقالته و يوم 18 بعث له نغرين تلغراما يحثه فيه على العودة لإسبانيا باعتباره رئيس جمهوريتها. آزانيا أكد أنه لن يعود و وضح أنه سيقدم استقالته حين تعترف فرنسا و ابريطانيا بحكومة فرانكو. و يوم الخامس و العشرين عبرت فرنسا عن رغبتها في تطبيع العلاقات مع حكومة فرانكو. هكذا عاد آزانيا إلى كالونج يوم 27 فبراير, و منها بعث رسالة الاستقالة من رئاسة الجمهورية الإسبانية إلى رئيس البرلمان برر فيها أسباب الاستقالة في أن الاعتراف بحكومة شرعية في برغش من طرف القوى العالمية, و خاصة فرنسا و انجلترا تحرمه من التمثيلية القانونية الدولية, كما أن الجهاز السياسي للدولة التي يمثلها انهار من برلمان و أحزاب وغيرها, ما يحرمه من كل إمكانيات الرئاسة و يمنعه من الاحتفاظ حتى اسميا بمهامه.

يوم 31 مارس, في اجتماع اللجنة الدائمة لمؤتمر النواب في باريس, انتقد نغرين بشدة قرار آزانيا عدم العودة لإسبانيا, واصفا إياه تقريبا بالخائن, كلمات دعمتها على الأقل الزعيمة الشيوعية دلورس إيباروري.

تعليق آزانيا على هذه التصريحات, جاء في رسالة للويس فرنانديث كليريغو, يوم 3 يوليوز و أكد فيه على ما سبق: عدم الشرعية للنظام الجديد في مواجهة شرعية الجمهورية بسبب استمرارية المؤسسات, ليس في المنفى, و إنما لانتخابها من طرف الشعب الإسباني. لقد كان عازما على الابتعاد عن أي نشاط سياسي شخصي ليقينه بعدم جدواه. من وجهة نظره, ما يجب العمل عليه ليس الجمهورية, و إنما الشعور القومي الذي كانت تمثله, هكذا يأتي الأهم الذي هو استعادة الشروط التي ستُمكنُ الإسبان من انتخاب النظام الذي يريدونه بكل حرية.

أصبح آزانيا معزولا سياسيا, فحاول التركيز على عمله الفكري و قرر نشر نسخة مُنقحة ليوميات 1937 بعنوان ذاكرات السياسة و الحرب و عمله الحواري La velada de Benicarlo.  لم تُنشر سوى هذه الأخيرة و ذلك في غشت 1939 ببوينس آيرس بالأرجنتين. كما شرع في كتابة سلسلة مقالات حول الحرب في مجلة The World Review لكنها لم تكتمل بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية التي حولت اهتمام المجلة نحوها. في أول مقالاته شدد آزانيا على فكرتين اثنتين في ما يخص الحرب الأهلية الإسبانية: تحميل مسؤولية انهيار الجمهورية لسياسة فرنسا و ابريطانيا, كما حملهما أيضا المسؤولية الجزئية لتدخل الاتحاد السوفياتي في إسبانيا, و اعتبر أن الحاجة كانت للمقاومة و ليس للنصر كما كان يريد نغرين, و ذلك لإجبار العدو على قبول التفاوض.

بين أبريل و دجنبر 1939, ضغط السفير الجديد لإسبانيا في فرنسا, خوثي فليكس دي لكويريكا أعطى ثماره, لكن في إسبانيا أكثر منه في فرنسا. فهناك اتُخذ قرار تطبيق قانون 9 فبراير للمسؤوليات السياسية على آزانيا. و حصل القاضي على معلومات من جهات عدة و من خلالها عُرضت لأول مرة بشكل واضح الصورة التي يريد النظام الجديد إلصاقها بآزانيا: عدو للجيش, للدين و للوطن, منحرف جنسيا, ماسوني و ماركسي. النتيجة كانت الحجز على كل ممتلكاته (استولى عليها الفالانخي قبل ذلك) و غرامة قدرها 100 مليون بسيطة.

ظل آزانيا في كالونج الفرنسية حتى الثاني من نونبر 1939. أمام الخشية من غزو ألمانيا النازية لفرنسا انتقل إلى Pyla sur mer قرب بوردو مستقرا في فيلا "عدن" مع زوجته و أصهاره.

في بداية يناير 1940, نزلة برد لم يُشفَ منها بشكل كامل قبل أشهرعاودته من جديد. اكتشف الأطباء إصابة خطيرة في الصمام الأبهري مع تمدد خطير للقلب إضافة لمشاكل في الجهاز القلبي. ظلت حالته الصحية حتى مايو حرجة للغاية, كان يقضي الليل و النهار جالسا يعاني من ربو شديد و نوبات سعال حادة يلفظ خلالها دماءا كثيرة من دون القدرة على الحديث و لا حمل الطعام إلى فمه, دون أن ينام, مع هلوسات كثيرة, لا يرتاح إلا من خلال حقن مهدئة فشلت في إزالة حالة مستمرة من العصبية و القلق.

عندما تحسنت حالته الصحية, استضاف آزانيا في بداية نونبر مكيل ماورا الذي عرض عليه الاعتراف بحكومة فرانكو مقابل عفو عام. وافق آزانيا, لكنه عبَّر عن شكوكه أيضا في أن يقوم فرانكو بأمر مشابه. في الأخير لم يجد الاقتراح طريقه للتطبيق.

في الأسابيع الموالية, ضغوط نظام فرانكو على الحكومة الفرنسية الموالية لألمانيا دفعت  المنفيين الإسبان للبحث عن الهجرة نحو المكسيك. يوم 19 يونيو, دعا نغرين آزانيا و صهره لحجز مكانين شاغرين في قارب متجه للمكسيك. لكن حالته الصحية منعته من القيام بهذه الرحلة الشاقة.

يوم 25 يونيو, كان النصف الشمالي من فرنسا تحت الاحتلال النازي. مرفوقا بزوجته و الدكتور فليبي غوميز باييتي و أنطونيو لو انتقل إلى مدينة مونتابون الواقعة بالمنطقة الحرة من فرنسا على متن سيارة إسعاف هربا من الألمان. هناك استقر في غرفة صغيرة للدكتور كاف اكتُريت كملجأ للمنفيين الإسبان.

كان نصف فرنسا محتلا من طرف الجيش الألماني و النصف الآخر تحت إدارة حكومة بيتان. يوم 10 يوليوز دوهم منزله من طرف جهاز الاستخبارات النازي الغيستابو بمساعدة عناصر الفالانخي. في الحين تم ترحيل كل من بقي من عائلته في Pyla sur Mer  إلى إسبانيا. شعر آزانيا بالخطر الداهم فادعى الإصابة بأزمة دماغية. في 20 يوليوز انتشر خبر منع إعطاء تأشيرات لمغادرة فرنسا للزعماء السابقين للجمهورية الإسبانية. وصول مجموعة من الفالانخيين إلى مونتابون استنفرت جماعة آزانيا. السفير المكسيكي لويس إيغناسيو رودرغيز تابوادا اكترى مساكن في فندق ميدي حيث نُقل آزانيا يوم 15 شتنبر.

يوم 16 شتنبر أصيب بجلطة دماغية منعته من الكلام و سببت له شللا في الوجه. بعد شهر بدى و كأنه قد استرجع عافيته إلى درجة أن الأسقف الجديد لمونتابون, بيير ماري تياس, الذي انتهى للتو من وساطة للحصول على تخفيف لحكم الإعدام الصادر حديثا عن شبريانو دي ريفاس الشريف, زار الفندق للتعرف على آزانيا. لكن في نهاية أكتوبر عانى من أزمة صحية أخرى لم يخرج منها أبدا. توفي يوم الثالث من نونبر 1940 و دفن يوم الخامس في مقبرة مونتابون.
علم الجمهورية الإسبانية الثانية

مَنَعَ المارشال الفرنسي بيتان دفن مانويل آزانيا وفق المراسيم و التشريفات التي تليق برئيس دولة, فلم يسمح إلا بتكفينه بالعلم الإسباني, على أن يكون العلم التقليدي و ليس علم الجمهورية الثلاثي الألوان. لكن السفير المكسيكي قرر أن يُكفن بالعلم المكسيكي و لا يُكفن بالعلم الملكي الإسباني. السفير ذكر في مذكراته: "كفنته بكل كبرياء بالعلم المكسيكي, هو بالنسبة لنا امتياز, و بالنسبة للجمهوريين أمل, و بالنسبة لكم درسا أليما".
قبر مانويل آزانيا بمونتابون الفرنسية

ذكرى آزانيا اليوم

يوم 28 نونبر 2011, ترأس رئيس البرلمان الاشتراكي خوثي بونو مراسيم وضع تمثال نصفي لآزانيا في مدخل مبنى البرلمان, مباشرة خلف باب الأسود و أمام تمثال إيزابيلا الثانية. وضع تمثال آزانيا هو محاولة للمصالحة و يرمز إلى أنه في الباحة الأكثر نبلا  في البرلمان يوجد تمثال لملكة إسبانيا و تمثال لرئيس الجمهورية, حسب تعبير بونو. العمل قام به النحاث إفاريستو بيلوتي.
تمثال لمانويل آزانيا بالقلعة إينارس

لكن بعد انتخابات نونبر 2011 التي فاز بها الحزب الشعبي اليميني بأغلبية ساحقة, قام الرئيس الجديد للبرلمان خيسوس بوسادا في ماي 2012 بدعم من حزبه الشعبي و أحزاب أخرى بنقل التمثال النصفي لآزانيا إلى التوسعة الثالثة للبرلمان بشارع سان خيرونيمو, دون أدنى طابع مؤسساتي أو رمزي, رغم احتجاجات اليسار الجمهوري و اليسار الموحد. في النهاية تم نقل التمثال النصفي مرة أخرى إلى داخل البرلمان و وضعه هذه المرة إلى جانب تمثال الرئيس الجمهوري الآخر نسيتو القلعة سمورة.


هشام زليم.
مدونة صلة الرحم بالأندلس. 


هناك تعليق واحد:

  1. لا أفهم سبب المقال. تصفحته بسرعة لأجد رابطاً بينه والأندلس، فلم أجد!! هل قلت في مكان ما هنا أنه من جذور إسلامية مثلاً؟؟؟؟

    ردحذف