الأحد، 17 أغسطس 2014

"لماذا اختلف المغرب و الأندلس في مستواهما الثقافي العامّ" محمد حسن الوزاني. الجزء (3)



"لماذا اختلف المغرب و الأندلس في مستواهما الثقافي العامّ" محمد حسن الوزاني. الجزء (3)


نبذة عن محمد حسن الوزاني (17 يناير 1910 - 9 شتنبر 1978)

هو سياسي و صحفي مغربي, يعتبر أحد كبار رموز الحركة الوطنية المغربية خلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب (1912-1956). كان من القلائل الذين نجحوا في الجمع بين الثقافة الدينية التقليدية, التي نهل منها في مسقط رأسه بفاس, و الثقافة الغربية الفرنكفونية, التي اكتسبها خلال دراسته للعلوم السياسية في باريس, حيث كان أول مغربي يتحصل على ديبلوم في هذه العلوم, كما درس الصحافة و التاريخ. توجه إلى جنيف عند أمير البيان شكيب أرسلان حيث أصبح عضوا في هيئة تحرير مجلة "الأمة العربية" التي يُصدرها الأمير شكيب.
كان ظاهرة في المجتمع المغربي المحافظ حيث قاوم المستعمر الفرنسي بلغته و ثقافته, و كان من أوائل من حمل القلم كسلاح لنيل الاستقلال. أسس حزب الشورى و الاستقلال بعد انشقاقه عن حزب الاستقلال, كما أصدر جريدة "عمل الشعب" L'action du peupleو هي أول جريدة ناطقة بالفرنسية تصدرها الحركة الوطنية. 


بعد الاستقلال شغل منصب وزير دولة في إحدى الحكومات, و فقد ذراعه اليمنى خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الحسن الثاني في الصخيرات عام 1971م, فتعلّم الكتابة بيده اليسرى حتى يستطيع مواصلة نضاله في مغرب ما بعد الاستقلال للوصول للنهضة المنشودة.


علاقته بالأندلس

بسبب كتاباته المعادية للسياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب, و خاصة كتابه "‬عاصفة‭ ‬على‭ ‬المغرب،‭ ‬أو‭ ‬أخطاء‭ ‬سياسية‭ ‬بربرية‮"‬، الذي تلقفه الأمير شكيب أرسلان ليشن به حملة ضد سياسة فرنسا في المغرب, أصبح محمد الحسن الوزاني غير مرغوب به في فرنسا و مُنع من دخول المغرب, فاضطر للمغادرة نحو سويسرا حيث التقى بالأمير أرسلان, لكن السلطات السويسرية بدورها ضاقت ذرعا بنشاطاته السياسية فغادرها إلى إيطاليا و من تم إلى إسبانيا. أراد في البداية الاستقرار بسبتة المحتلة لكنه مُنع من ذلك, ليستقر في العاصمة مدريد. هناك أسس "الجمعية العربية الإسلامية" و ربط علاقات جيدة مع الساسة الإسبان الذين تدخلوا لدى الحكومة الفرنسية كي تسمح له بالسفر إلى فرنسا و دخول المغرب.
 بعد قيام الجمهورية في إسبانيا عام 1931حاول الوزاني استثمار علاقاته الوطيدة مع التقدميين و رجال الجمهورية ليشرح لهم القضية المغربية و يكسب تعاطفهم معها. بفضل مجهوداته و مجهودات رجال وطنيين آخرين, قالت الحكومة الإسبانية على لسان وزيرها فرانثيثكو لاركو كاباييرو أنها تدرس احتمال انسحاب إسبانيا من شمال المغرب و تسليم السلطة لعصبة الأمم. لكن مشاكل الحكومة الجمهورية الداخلية و اندلاع الحرب الأهلية أقبرا هذا المشروع.

المرجع: * "سيرة محمد الحسن الوزاني": مؤسسة محمد الحسن الوزاني. * "محمد‭ ‬بن الحسن الوزاني .. مقـاوم على‭ ‬الطريقة‭ ‬الفرنسية" محمد أحمد عدة.

رابط الجزء الأول: "لماذا اختلف المغرب و الأندلس في مستواهما الثقافي العامّ" محمد حسن الوزاني. الجزء (1

لماذا اختلف المغرب و الأندلس في مستواهما الثقافي العامّ؟ (الجزء الثالث)

  بقلم محمد حسن الوزاني
(مجلة "الثقافة المغربية" : عدد 2  غشت 1944 )



الحقيقة عن العلوم و رقي الأفكار بالأندلس:

هناك خيال طالما استحوذ على العقول, و وهم طالما استحكم في النفوس, و هو أن الأندلس كلها كانت تحفل بالمدارس, و أن أهلها قاطبة كانوا علماء أو أشباه علماء, و في هذا صدق و صواب, و فيه أيضا غلو و إفراط؛ و ليس لباحث منصف أن يغمط الحق غفلة منه و اعترارا, و يقبل تلك المسألة على علاتها دون أن يعرضها على محك التحقيق و التمحيص. و إن ذاك الرأي الشائع عن الأندلس و أهلها من حيث ازدهار العلوم, و تهذيب الأفكار, لا يثبت كله أمام الاختبار و الانتقاد. و مهما عظم في النفس و هيمن عليها ما قر فيها من حب (الفردوس المفقود) و خلبها من الهيام بأخباره الغابرة, و فتنها من الإعجاب بتراثه الباهر, فلا ينبغي أن نغالي في الأخذ بذاك الرأي كأنه قضية كلها صحيحة مسلمة, و ما يجدينا أن نتصور الأندلس و أهلها في صورة محرفة تأباها الحقيقة و لا يقرها التاريخ.


من الحق و الإنصاف أن نعترف هنا أن العلوم في الأندلس المسلمة قد نمت و أينعت بصفة لا نجد لها نظيرا – في ذلك العهد – إلا في المشرق الإسلامي, و خاصة في العصر الزاهر للدولة العباسية التي كان شأنها عظيما في بعث النهضة العلمية و تأييد الحركة الفكرية بين العرب و المسلمين. و مما لا شك فيه أن الأندلس المسلمة قد أنجبت شخصيات بارزة فذة في ميدان العلوم و الفنون, و لا ينكر مطلع نزيه أن بعض تلكم الشخصيات - و لا يقال كلها – كانت عالمية بالمدلول المحدود لهذه الكلمة, لا بالمعنى المطلق المتعارف لدى أهل العصر الحديث. و ربما إن عددنا هذا الصنف من رجالات العلم في الأندلس لا نلفي أكثر من أصابع اليد الواحدة أو اليدين معا.


و لإيفاء المسألة المتحدث عنها حقها من البحث و النظر, نظن من المفيد أن نورد هنا آراء بعض المؤرخين المسلمين الأعلام, ففي شهادتهم حُجة و برهان, و ليس بعد قولهم حديث و لا تبيان. قال القاضي أبو القاسم مساعد بن احمد الأندلسي الطليطلي في كتابه (طبقات الأمم) تحت عنوان (العلوم في الأندلس): "و أما الأندلس فكان فيها أيضا, بعد تغلب بني أمية عليها جماعة عنيت بطلب الفلسفة و نالت أجزاء كثيرة منها, و كانت الأندلس قبل ذلك الزمن القديم خالية من العلم لم يشتهر عند أهلها أحد بالاعتناء به, إلا أنه يوجد فيها طلسمات قديمة في مواضع مختلفة وقع الإجماع على أنها من عمل ملوك رومية, إذ كانت الأندلس منتظمة بمملكتهم, و لم تزل على ذلك عاطلة من الحكمة إلى أن افتتحها المسلمون...


فتمادت على ذلك أيضا لا يُعنى أهلها بشيء من العلوم إلا بعلوم الشريعة و علم اللغة, إلى أن توطد الملك لبني أمية – بعد أهلها- بالفتنة,فتحرك ذوو الهمم منهم لطلب العلوم و تنبهوا لإثارة الحقائق..."


و قال المقري في (نفح الطيب):


"و أما أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التمييز, فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة, و يربأ بنفسه أن يرى فراغا عالة على الناس, لأن هذا عندهم في نهاية القبح, و العالم عندهم معظم من الخاصة و العامة يشار إليه, و يحال عليه و ينبه قدره و ذكره عند الناس, و يكرم في جوار أو ابتياع حاجة و ما أشبه ذلك. و مع هذا فليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم, بل يقرؤون جميع العلوم في المساجد بأجرة, فهم يقرؤون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريا. فالعالم منهم بارع لأنه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه, يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه و ينفق من عنده حتى يعلم, و كل العلوم لها عندهم حظ و اعتناء إلا الفلسفة و التنجيم فإن لهما حظا عظيما عند خواصهم و لا يتظاهرون بها خوف العامة, فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق و قيدت عليه أنفاسه, فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو أحرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان, أو يقتله السلطان تقربا لقلوب العامة. و كثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وُجدت, و بذلك تقرب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه, إن كان غير خالِِ من الاشتغال بذلك في الباطن...و كل عالم في أي علم لا يكون متمكنا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتمييز, و لا سالم من الإزدراء, مع أن كلام أهل الأندلس الشائع في الخواص و العوام كثير الانحراف عما تقتضيه أوضاع العربية حتى لو أن شخصا من العرب سمع كلام الشلوبين أبي علي المشار إليه بعلم النحو في عصرنا, الذي غرَّبت تصانيفه و شرَّقت و هو يقرأ درسه, لضحك بملء فيه من شدة التحريف الذي في لسانه. و الخاص منهم إذا تكلم بالإعراب و أخذ يجري على قوانين النحو استثقلوه و استبردوه, ولكن ذلك مراعى عندهم في القراءات و المخاطبات في الرسائل و علم الأدب المنثور من حفظ التاريخ و النظم و النثر, و مستظرفات الحكايات أنبل علم عندهم, و به يتقرب من مجالس ملوكهم و أعلامهم. و من لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفل مستثقل. و الشعر عندهم له حظ و وظائف, و المُجيدون منهم ينشرون في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة و يوقّع بهم بالصلات على إقرارهم, إلا أن يختل الوقت و يغلب الجهل في حين ما, و لكن هذا الغالب. و إذا كان الشخص بالأندلس نحويا أو شاعرا فإنه يعظم في نفسه لا محالة و يستخف و يظهر العجب, عادة قد جبلوا عليها".


و كتب المستشرق ليفي بروفنسال عن الثقافة العامة في قرطبة: "إن قرطبة كانت زمنا طويلا سوقا عظيمة للكتب بجميع الغرب الإسلامي, فقد كان فيها كثير من الناسخين يكتسبون بانتساخ المخطوطات للخزائن العلمية الخاصة. و كل قرطبي من الطبقة الأرستقراطية – و إن ضؤُلت ثقافته- كان يعد من الشرف أن يكون لنفسه مجموعة من الكتب النادرة, فما كان ليحجم عن المغالاة بالكتب في الأسواق العامة و لو أدى به الأمر إلى بذل الأثمان الباهظة التي تزيد على قيمة المخطوط المعروض للبيع بالمزاد". 
 و عن ابن فياض في كتابه عن قرطبة أيام الأمويين: أنه كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة و سبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي, هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها. و قال أبو الفضل التيفاشي: جرت مناظرة بين يدي ملك المغرب المنصور يعقوب بين الفقيه أبي الوليد ابن رشد و الرئيس أبي بكر ابن زهر , فقال ابن رشد لابن زهر في تفضيل قرطبة: (ما أدري ما تقول؟ غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حُملت إلى قرطبة حتى تُباع فيها, و إن مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حُملت إلى إشبيلية قال: و قرطبة أكثر بلاد الله كتبا)



نستفيد مما تقدم من أقوال المؤرخين أن العلم كان منتشرا بالأندلس, و في الحواضر منها خاصة, و ذلك بقدر ما كان ممكنا في ذلك العهد؛ و أن عاصمة العلم إذ ذاك كانت هي قرطبة التي كان يفد إليها علماء الحواضر الأخرى طلبا للرفعة و الشهرة. و في هذا ما يكفي الأندلس مفخرة في ذلك الزمان بالنسبة إلى سواها من البلاد. و لا نعتقد بعد ما وقفنا على أقوال المؤرخين الذين هم عمدة لمن أراد الإطلاع على تاريخ الأندلس ما نقله ياقوت الحموي في (معجمه) حيث قال ما نصه: "و سمعت ممن لا أحصي أنه قل أن ترى من أهلها (مدينة شلب) من لا يقول شعرا و لا يعاني الأدب, و لو مررت بالفلاح خلف فدانه و سألته عن الشعر قرض من ساعته ما اقترحت عليه و أي معنى طلبت منه" فهذا كلام يظهر فيه الغلو و الإسراف, و حتى لو وجد فلاحون تلك صفتهم و مقدرتهم, فلا نظن صحيحا أن جميع أهل تلك المدينة و ضواحيها أو تقريبا كانوا من فحول الشعراء و المفكرين المقتدرين.


ثم نستخلص من كلام ابن صاعد الأندلسي أن العلوم غير الشريعة و اللغة لم تظهر في الأندلس إلا زمن الأمويين. و كذلك الذين نبغوا في الفلسفة و الحكمة و هم فئة خاصة. و يبين لنا قول المقري أن الفلسفة و التنجيم إنما كان يشتغل بهما الخاصة من علماء الأندلس, و أن البيئة إذ ذاك لم تكن مساعدة على انتشار المعلمين المذكورين, و أن أصحابها كانوا يعيشون دائما في حيطة و حذر و خشية من بطش العامة و الملوك الذين كانوا يتزلفون لقلوب الدهماء باضطهاد الفلاسفة و المنجمين و إتلاف كتبهم بالنار, فما أبعد عن الحقيقة و الواقع تلك الفكرة الخيالية التي تُصور الأندلس كلها مدارس. و تمثل أهلها كلهم أو تقريبا علماء و نبغاء في مختلف علومهم و فنونهم, و تدعي أن كثيرا من رجال العلم فيها كتنوا ذوي شهرة عالمية فائقة. و حقيقة الأمر أن دائرة العلم و ذويه بالأندلس كانت محدودة في الزمان و المكان, و ليس بصحيح أن جهابذة العلم المشاهير كان عددهم هناك يتجاوز كل عد و حصر بل كانوا ثُلة معينة كما هو الشأن في جميع الأمم و في سائر الأزمان. و لا يقول خبير بأن جميع الذين نبغوا تحت سماء الأندلس كانوا عربا خلصا, فقد امتزج العرب هناك بغيرهم من السكان الأصليين و المهاجرين, و العرب الأقحاح كانوا دائما في أرض الأندلس أقلية في مجموع الشعب, و هذا لا يحط من قدرهم قط, و لا يثلم فضلهم أبدا, فقد شاركوا بنصيبهم في النهضة العلمية و الحركة الفكرية و استبحار الحضارة و العمران, حتى كان منهم العلماء العظام و النبغاء الأفذاذ, لكن غيرهم من عناصر الشعب الأندلسي قد أنجبوا علماء و أدباء و حكماء, منهم البرابرة كما سترى في الموطن المناسب من هذا البحث, و منهم اليهود, و منهم الصقالبة الذين يذكر المقري و ابن الأبار أنه كان فيهم الشعراء و الأدباء. و هؤلاء الصقالبة –بالرغم عن إسلامهم و عربية ألسنتهم – ظلوا متعصبين لجنسهم و جاليتهم, و قد كان لهم شأن في سياسة الأندلس كما أسلفنا. و من علمائهم حبيب الصقلبي الذي ألف في عهد هشام الثاني كتاب: "الاستظهار و المغالبة, على من أنكر فضائل الصقالبة". و في عنوان هذا الكتاب دليل واضح على وجود العصبية الجنسية و النعرة الطائفية في الأندلس, و قد تقدم الكلام على المشكلة العنصرية بما أثارته من أحداث سياسية و أهاجته من أعاصير في ربوع الفردوس المفقود.


اللغة العربية في الأندلس:

إن العرب و إن كانوا أقلية بالنسبة إلى بقية سكان الأندلس فقد كان لهم حظ وافر في نشوء الحضارة الإسلامية و إشعاع الحركة العلمية. و بالرغم من مساهمة العناصر الأندلسية الأخرى في تقدم المدنية و رقي الأمة تحت ظل الإسلام, فإن العرب قد فاقوا غيرهم بكونهم طبعوا تلك المدنية و ما لزمها من تطور شعبي و ارتقاء عام بطابعهم الخاص, و ذلك لأنهم كانوا مادة الفتح الأساسية و القائمين بدعوة الإسلام و القابضين على زمام الحكم, خصوصا مدة توطيد الإسلام في البلاد. و حيثما ضرب الإسلام بجرانه سادت لغة العرب التي هي لغة القرآن العظيم, و انحدر سيلها الدفاق سائر الأوطان. لهذا رأينا غير العربية من اللغات و اللهجات يتضاءل شأنها بين أهل الأندلس الذين اتخذوا لغة الضاد لسانهم في التخاطب و الكتابة, و إن ما وقع بالأندلس لشبيه ما جرى بالمشرق, فإن اللغة العربية – كما في دائرة المعارف الإسلامية- ظلت تصبغ المدنية بصبغة واحدة. و لا شك أن الفضل في طبع هذه المدنية المكونة من عناصر متنوعة بالطابع العربي يرجع إلى الأمويين.


و في بيان سيطرة اللغة العربية بالأندلس و عناية الأندلسيين بشأنها يقول ابن سعيد المغربي: "و أهل الأندلس يحافظون على قوام اللسان العربي لأنهم عرب أو متعربون" و قال لسان الدين ابن الخطيب في حديثه عن غرناطة, و هو كلام يصح تطبيقه على غيرها من أصقاع الأندلس: "و ألسنتهم فصيحة عربية يتخللها إعراب كثير, و تغلب عليهم الإمالة".


و بيانا لما أدركته العربية من الشأو و الميزة بين سكان الأندلس غير العرب, نقول إن البربر النازحين إلى الأندلس قد غمرتهم حركة التعريب لأنهم كانوا شركاء العرب في فتح شبه الجزيرة الإسبانية, و في الاضطلاع بأداء الرسالة الإسلامية بين شعوبها, فمن الطبيعي أن يعنوا بالعربية – لغة الإسلام و لسان الحكام – و يكونوا في طليعة الآخذين بها من أهل الأندلس. و سنرى في محل آخر حظ البربر الأندلسيين في مجال العلوم و الآداب, فلم تكن عجمة ألسنتهم البربرية حائلة دون أن يبرزوا كإخوانهم العرب, مثلا, في حلبة المعرفة و مضمار الثقافة العربية.


أما الصقالبة فقد كانوا كذلك يعرفون العربية حتى كان فيهم من يؤلف فيها كما رأينا سابقا, و كذلك اليهود فإن أحبارهم – مثلا- كانوا يفقهون العربية و آدابها و علومها, و لم يشذِ عن هؤلاء كلهم الإسبانيون, فقد أخوا يستعربون بعد أن تفشى الإسلام بالأندلس و انمج الناس في دعوته أفواجا أفواجا, فما كان لهؤلاء الإسبان أن يُسلموا دون أن تدوخ العربية ألسنتهم كما انشرحت للإسلام صدورهم لكن بقي في الإسبان خلق كثير ظلوا على نصرانيتهم, و هؤلاء أنفسهم شملتهم حركة الإستعراب و كانوا يسمون المستعربين, و أكثر ما كانوا في طليطلة. فقد اتخذ النصارى هذه الحاضرة العربية في كنائسهم فكانوا يقيمون بها جميع وظائفهم الدينية. و بصفة عامة كان الإسبان المستعربون يتخاطبون و يكتبون و يصلون بالعربية, و فيهم من عوضوا أسماءهم الأصلية بأسماء عربية إسلامية, و لم يشذ عن هذا حتى القسيسون و الرهبان. و على سبيل المثال نذكر منهم مطران طليطلة الذي تسمى بعبيد الله بن قاسم, و يُقال أنه نال منزلة و مقاما لدى الخليفة الناصر. و قد بلغ تمسك هؤلاء المستعربين بالعربية أن كانوا يفتتحون خطاباتهم بسم الله الرحمان الرحيم, و يكتبون بالعربية على قبورهم و على أبواب دورهم و داخل بيوتهم, و في طليطلة –بعد انقطاع الإسلام عنها ب 6 قرون- بقيت العربية محفوظة بين أهلها, و في هذا يقول ليفي بروفنسال: " إن المستعربة في طليطلة فئة من النصارى الإسبانيين اتخذت العربية لسانا لها حتى بعد رجوع المدينة إلى الإسبان".


و ما أسلفناه عن المستعربين من النصارى لا يشمل الإسبان قاطبة, ففي طليطلة نفسها كان كثير من النصارى لا يستعملون العربية في شيء من شؤونهم, و لكن العربية كانت لها السيادة على الأكثرين من الإسبان.


الثقافة نتيجة الحضارة:

تنشأ العلوم و تترعرع حيث تكون الحضارة و العمران, و هي ظاهرة اجتماعية قد شرحها العلامة ابن خلدون, و خلاصة كلامه أن العلوم تكثر حيث يكثر العمران و تعظم الحضارة. فالأمصار المتمدنة هي التي تكون فيها الصنائع التي من جملتها التعليم, بحيث إذا رغب أهلها في طلب العلم توفرت لديهم الوسائل التي أهمها مجالس العلم و مدارسه؛ و بخلافها البلاد التي لا حضارة فيها فإن التعليم يكون فيها مفقودا, و حتى إن وجد فإن طرق التعليم تكون فيها رديئة فاسدة, فيتعذر على من يريد طلب العلم من أهل تلك البلاد أن يحقق أمنيته و يظفر ببغيته, و يكون مضطرا إلى الرحلة حيث يكون العلم و صناعة التعليم, لأن التعليم للعلم من جملة الصنائع "فالحذق في العِلم و التفنن فيه و الاستيلاء عليه – كما يقول ابن خلدون – إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه و قواعده و الوقوف على مسائله و استنباط فروعه من أصوله. و هذه الملكة هي غير الفهم و الوعي, و الملكات كلها جسمانية...و الجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم. و لا شك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا تستعد به لقبول صناعة أخرى, و يتهيأ بها العقل لسرعة الإدراك للمعارف...و حسن الملكات في التعليم و الصنائع و سائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاءا في عقله و إضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس, إذ قدَّمنا أن النفس إنما تنشأ بالإدراكات و ما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية".


آثار المدنية في إسبانيا قبل الإسلام:

لما فتح المسلمون إسبانيا لم يدخلوا أرضا لا عهد لها إذ ذاك بأثر المدنية, بل كانت إسبانيا على جانب من المدنية كغيرها من الأقطار التي احتك ذووها بأصحاب المدنيات من فنيقيين و إغريق و رومان.


إن موقع إسبانيا الجغرافي جعلها في القديم تستهدف للهجرة من أوربا و إفريقيا و المشرق نفسه, فقد تقاطرت إليها وفود المهاجرين من كل صوب, فغشيتها أرسال من أوساط أوربا هم السلتيون الذين انضافوا إلى الإبريين سكان إسبانيا الأول, و بعدهم جاء الفنيقيون الذي رمى بهم التطواف بسفنهم التجارية في كثير من شوطئ البحر المتوسط, فكانت لهم في كل أرض نزلوا معالم و آثار, ثم عرفت إسبانيا مهاجرين إغريق أسسوا كالفنيقيين بشواطئ البلاد عدة مستعمرات. و في القرن الخامس هاجرت إلى إسبانيا من إفريقيا طوائف من القرطاجنيين ففرضوا على البلاد سيطرتهم و سيادتهم, و لم ينقرض نفوذ قرطاجنة هنالك إلا بعد مجيئ الرومان الذين طردوا أعداء رومة الألداء و هم القرطاجنيون, و بقي الرومان سادة إسبانيا و أصحاب أمرها إلى أن أغار عليها الألانيون و السويد و الفندالس, و هؤلاء الفندالس هم الذين استوطنوا جنوب إسبانيا فتسمت هذه الجهة باسمهم, أي الأندلس, و هي مشتقة من فندالس. ثم ملك القوط إسبانيا فأسسوا فيها دولة قوية و ظلوا أصحاب النفوذ و السيادة إلى أن اقتحم العرب تلك البلاد فتحا. و قد تخلل تلك الهجرات كلها أوفاد من شعب سامي لم تخل منه أرض, ذلك هو شعب اليهود جوّاب الآفاق الطريد الهائم على وجه الأرض إلى يوم الفناء.

كل هذه الأمم التي تواردت إلى إسبانيا في مختلف الأعصار أقرضتها من مدنياتها خيرها و شرها قروضا تتباين في القلة و الكثرة, و قد كان النصيب الأوفى في ذلك للفنيقيين الذين عمروا جنوب البلاد بآثارهم الخالدة إلى الآن, و للرومان كذلك الذين كانوا أصحاب مدنية معروفة, فأنشأوا في إسبانيا من لبناءات و المشاريع العمرانية (من قناطر و أقنية مرفوعة و هياكل و مسارح و ملاهي) ما لم ينل من كثيره الزمان. فهذه الدول التي حكمت إسبانيا و أثلت فيها ما شاءت من قواعد العمران و مظاهر الحضارة المعروفة إذ ذاك, قد قطعت بتلك البلاد أشواطا في مجال التطور العام, و تقدمت بأهلها درجا في سلم الرقي و المدنية. و كل حضارة فهي من آثار الدولة "فالدولة و الملك – كما يقول ابن خلدون- صورة الخليقة و العمران, و كلها مادة لها من الرعايا و الأمصار و سائر الأحوال, فعلى نسبة حالة الدولة يكون العمران".


الحضارة في الأندلس و المغرب:

لم تدرك الأندلس شأوا كبيرا في الحضارة و المدنية إلا في عهد العرب و تحت لواء الإسلام, بيّن هذا ابن خلدون فقال: "رسخت عوائد الحضارة و استحكمت بالأندلس لاتصال الدولة العظيمة فيها للقوط ثم ما أعقبها من ملك بني أمية, و كلتا الدولتين عظيمة, فاتصلت فيها عوائد الحضارة و استحكمت" و الحضارة التي امتازت بها الأندلس المسلمة لم تكن كلها من فعل العرب وحدهم, فلاشك أن غير العرب من سكان الأندلس قد كانت لهم أياد في نشوء تلك الحضارة, خصوصا و أنهم كانوا أقل بداوة من العرب الفاتحين, و أكثر منهم صقلا لما تعاقبت عليهم من مدنيات و دول. و إنّ ما وقع في المغرب الإسلامي لهو عين ما وقع في المشرق, فالعرب – كما في دائرة المعارف الإسلامية – لم يكونوا (في المشرق) العنصر الفعال وحدهم في تنظيم الدولة و ترقية المدنية, إذ دخول العناصر المتباينة في الإسلام جعل لها نصيبا في تكوين المدنية الإسلامية التي يحق لنا أن نعتبرها عربية, و إن تكن الأبحاث التحليلية في الخمسين سنة الماضية قد أثبتت أن معظم العوامل التي كونتها أجنبية.


فالعرب كانوا في الأندلس –كما كانوا في المشرق- أحد العناصر المهمة الفعالة فيترقية المدنية و توسيع نطاق الحضارة في عالم الإسلام, غير أنهم امتازوا عن بقية العناصر الإسلامية بكونهم طبعوا المدنية شرقا و غربا بطابعهم الخاص, لأنهم كانوا هنالك و هنا أصحاب الدولة و الملك و أرباب الحكم و السيادة, و لأن لغة العرب كانت هي اللغة السائدة أي لغة الدولة الرسمية و لغة التعليم و التدوين.


أما في المغرب فكان الأمر بخلاف ذلك, فالدول التي قامت فيه كانت بربرية و كانت صفة البداوة هي الغالبة, فلم تستطع الجاليات العربية النازلة بالمغرب بقلتها أن تؤثر تأثيرها في غير المغرب, و بقي نطاق العربية في بلادنا أضيق مما كان في المشرق و في الأندلس خاصة. و في هذا المعنى كتب ابن خلدون فقال : "و أما إفريقيا و المغرب فلم يكن لهما قبل الإسلام ملك ضخم, إنما قطع الإفرنجة إلى إفريقيا البحر و ملكوا الساحل, و كانت طاعة البربر أهل الضاحية لهم طاعة غير مستحكمة, فكانوا على قلعة واوفاز, و أهل المغرب لم تجاورهم دولة و إنما كانوا يبعثون بطاعتهم إلى القوط من وراء البحر. و لما جاء الله بالإسلام و ملك العرب إفريقيا و المغرب لم يلبث فيها ملك العرب إلا قليلا أول الإسلام, و كانوا لذلك العهد في طور البداوة, و من استقر منهم إفريقيا و المغرب لم يجد بهما من الحضارة ما يقلد فيها من سلفه, إذ كانوا برابرة منغمسين في البداوة, ثم انتفض برابرة المغرب الأقصى على يد ميسرة المطغري أيام هشام بن عبد الملك, و لم يراجعوا أمر العرب بعد و استقلوا بأمر أنفسهم و إن بايعوا لإدريس فلا تُعدَ دولته فيهم عربية, لأن البرابر هم الذين تولوها و لم يكن من العرب فيها كثير عدد".


لكن المغرب قد تطورت أحواله فانتقل من تلك البداوة إلى حضارة حقيقية. و بهذا يعترف ابن خلدون نفسه إذ يقول: "أما المغرب فانتقل إليه منذ دولة الموحدين من الأندلس حظ كبير من الحضارة, و استحكمت به عوائدها بما كان لدولتهم من الاستيلاء على الأندلس, و انتقل الكثير من أهلها إليهم طوعا و كرها. و كانت (أي دولة الموحدين) من اتساع النطاق ما علمت, فكان فيها حظ صالح من الحضارة و استحكامها و معظمها من أهل الأندلس".


و قد تقلص ظل تلك الحضارة المقتبسة فيما بعد و عفا عليه الخلاء –كما يقول ابن خلدون- و رجع على أعقابه, و عاد البربر بالمغرب إلى أديانهم من البداوة و الخشونة.


انحطاط التعليم بالمغرب:

إن انتفاض الحضارة بالمغرب بسبب الاختلال و الاضطراب قد أثر أسوأ تأثير في سير العلم و منهاج التعليم بين المغاربة, و حتى إن كثُر العلم و حسن التعليم في الجملة على عهد الدولة الموحدية فإن ذلك لم يدم طويلا للبداوة الغالبة على هذه الدةلة, و لقصر المدة التي حكمت فيها. و قد رأينا سابقا أن العلوم لا تزدهر إلا في مواطن الحضارة, و كذلك التعليم لا يكون جيدا إلا حيث استحكم العمران و بسقت المدنية, و كلاهما منوط برسوخ الدولة و مبلغها في الأعمال و المشاريع. و إن قلنا فساد التعليم عنينا بهذا ما يعرفه كل واحد منا من تلك الأساليب المختلفة العقيمة التي ما تزال متبعة في مجالس العلم عندنا إلا نادرا جدا و أبرز العيوب في منهاج التعليم ببلادنا طول المدة, فالطالب يفني كبير عمره و هو يتردد على حلقات الدرس و يعود منها إلى حجرة سكناه بالمدرسة, فكأنه طالب علم من المهد إلى اللحد. و لا تطول مدة التعليم إلا لقلة التحصيل بسبب فساد أساليب الدراسة, و من فسادها الجمود الذي يخيم على حلقة الدرس, فالمدرس يعتمد في الإلقاء على الحافظة, و الطلبة يتلقون عنه و هم خرس بكم لا يسألون و لا يجادلون. فأية ملكة تحصل بهذا في العلوم المتداولة؟ و الملكة العلمية هي التي تُكون العالم و تمكنه من التصرف في العلم. أما مجرد حشو الفكر بالمعلومات المحفوظة فهو أليق بالببغاء لا بالعالم الحاذق. و فساد التعليم هو المسؤول الأول عن تأخر المغرب في العلوم و تناقص الثقافة العربية بين أهله ماضيا و حاضرا.


المصدر: محمد حسن الوزاني "حرب القلم" الجزء 6. صفحة 120-135. إصدار مؤسسة محمد حسن الوزاني.
 
صلة الرحم بالأندلس 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق