بين الفيلسوف ابن رشد الحفيد و المتصوف ابن عربي

بين ابن رشد و ابن عربي 
مدونة صلة الرحم بالأندلس.

المرجع: "ابن رشد الحفيد. سيرة وثائقية". تأليف محمد بن شريفة. ص 202-204.

إذا كان عصر ابن رشد هو العصر الذي وصلت فيه سلسلة الفلسفة بالأندلس إلى حلقتها الأخيرة فإنه كان أيضا عصر تيارات زهدية و صوفية ما لبثت بعد ذلك أن طمَّت على ما سواها, و قد كان يعيش إلى جانب ابن رشد في قرطبة و إشبيلية و مراكش أعلام في الزهد و التصوف, و من هؤلاء على سبيل المثال أبو عبد الله ابن مجاهد الإشبيلي و أبو عمران الميرتلي نزيل إشبيلية و أبو عبد الله ابن قسوم الإشبيلي, و لم نقف على ما يدل على صلة ابن رشد بهؤلاء الزهاد, و لكنا و جدنا أبياتا لأبي عمران الميرتلي يشير فيها - فيما يبدو- إلى محاولة ابن رشد الجمع بين الحكمة و الشريعة و هي قوله:


مُعارضةُ الشَرع بالعقلِ زيغٌ --- عليه يَقيسُ به من فُتِنَ
تعبَّدتَ   بالشرع   فاحكم  به--- على العقل إياك أن تفتتن
و بالشرع يفرق بين الهوى --- و بين الحِجى كلُّ عبد فطنَ

كما لابن قسوم أشعارا متعددة في ذم العلوم القديمة و أصحابها.

و يبدو أن الفتوحات التي حصل عليها الصوفي الشاب ابن عربي جعلت ابن رشد يتطلعُ إلى لقائه, و اختبار أمره, و معرفة سره, و كان اللقاء بقرطبة في سنة 580 هجرية, و في هذا التاريخ كان ابن رشد قاضيابقرطبة بجنب واليها السيد أبي يحي.

و تذكُر بعض المصادر أن أهل ابن عربي كانوا أجنادا في خدمة هذا الامير, و بدأ ابن عربي نفسه في أول شبابه جنديا أو كاتبا لدى الأمير المذكور, ثم ترك هذا في سنة 580 يقول ابن عربي: "كان سبب انتقالي عن الجندية و نبذي لها و سلوكي هذه الطريقة و ميلي إليها أنني خرجتُ صحبة مخدومي الأمير أبي بكر ابن يوسف بن عبد المومن بن علي بقرطبة قاصدين المسجد الجامع فنظرته في ركوعه و سجوده و خشوعه كثير الابتهال إلى الله عز و جل فخطر لي خاطر أن قلت في نفسي: إذا كان هذا ملك البلاد خاضعا متذللا يصنع هذا بين يدي الله تعالى عز و جل فما الدنيا بشيء ففارقته من ذلك اليوم, و ما عدتُ رأيته أبدا ثم لزمتُ هذه الطريقة".

من هنا ندرك سبب معرفة ابن رشد لابن عربي و صداقته لأبيه كما يقول في الفتوحات و نلاحظ أن الحوار الذي دار بين الرجلين في المجلس الأول كما رواه ابن عربي يتسم بالرمز و الإلغاز كهذا الحوار : "فعانقني و قال لي: نعم! فقلتُ له: نعم! فزاد فرحه بي لفهمي عنه, ثم استشعرتُ بما أفرحه من ذلك, فقلتُ له: لا! فانقبضَ و تغيرَ لونه و شك فيما عنده".

و يقول ابن عربي إن ابن رشد طلبَ الاجتماع به مرة ثانية ليعرض عليه ما عنده في النظر العقلي و يسأله هل هو يوافق أم يخالف و لكن الاجتماع لم يتم.

و كما اهتمَ ابن رشد بظاهرة المتصوف الشاب ابن عربي الذي دخلَ خلوته جاهلا و خرج منها بعلم لدُني من غير درس و لا بحث و لا مطالعة و لا قراءة اهتمَ أيضا بما بلغ إلى سمعه من كرامات أبي العباس السبتي, روى التادلي صاحب التشوف قال: "حدثني أبو علي عمر بن يحي الزناتي قال: حدثني أبو القاسم عبد الرحمان بن إبراهيم الخزرجي قال: بعثني أبو الوليد ابن رشد من قرطبة و قال لي: إذا رأيتَ أبا العباس السبتي بمراكش فانظر مذهبه و أعلمني به قال: فجلستُ مع السبتي كثيرا إلى أن حصلت مذهبه فأعلمتهُ بذلك فقال لي أبو الوليد: هذا رجل مذهبه أن الوجود, ينفعل بالجود, و هو مذهب فلان من قدماء الفلاسفة".

و يتضح من هذين المثالين أن ابن رشد وزن حالتين بميزان الفيلسوف فقال عن حالة ابن عربي: "هذه حالة أثبتناها و ما ٍرأينا لها أربابا, فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه أحد من أربابها".

و قرنَ مذهبَ أبي العباس السبتي في الجود و أثره في الوجود بمذهب أمبدقليس في الحب و تأثيره في الإيجاد مع أن أبا العباس كان يحتج لمذهبه بآيات و أحاديث يأولها أحيانا فهو يفسر قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض" فيقول: "هذه الامانة هي الرزق, فالسماوات أعطت ما عندها من الماء و هو المطر, و الأرض أعطت ما عندها من النبات و الثمار و ما فيها من الأرزاق و أبت من إمساكها فصار الإنسان خازنا لما يجتمع عنده فيمنع منه المساكين إنه كان ظلوما جهولا".

مدونة صلة الرحم بالأندلس.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا انقرض السُود من الأرجنتين؟

التقسيم الإداري و مناطق الحكم الذاتي في إسبانيا

هجرات الأندلسيين إلى منطقة الريف شمال المغرب و أشهر العائلات الأندلسية فيها