الثلاثاء، 7 أبريل 2015

الشيوعي الإسباني إنريكي ليستر Enrique Lister

الشيوعي الإسباني إنريكي ليستر Enrique Lister

إنريكي ليستر
إنريكي ليستر فورخان Enrique Lister Forjan (وُلد ببلدة أمينرو Aminero بلاكورونيا بجليقية Galicia يوم 21 أبريل 1907 - توفي بمدريد في 8 دجنبر 1994) هو سياسي شيوعي و عسكري إسباني تكون بأكاديمية فرونزي Frunze العسكرية التابعة للجيش الأحمر السوفياتي. عُرِف في البداية بنشاطه النضالي في صفوف الحزب الشيوعي الإسباني PCE قبل أن ينشق و يؤسس الحزب الشيوعي العمالي الإسباني PCOE . عاد إلى صفوف الحزب الشيوعي الإسباني عام 1986 بعد طرد زعيمه سانتياغو كاريو Santiago Carillo. 


السيرة الذاتية

كان إنريكي يعمل حجارا في مسقط رأسه في جليقية, هاجر إلى كوبا و عمره لم يتجاوز 11 عاما قبل أن يعود لإسبانيا عام 1925 و ينخرط في صفوف الحزب الشيوعي الإسباني مدشنا بذلك نشاطه النضالي. شارك بفاعلية في نضال العمال المزارعين الجليقيين و سرعان ما تحول إلى ناشط نقابي بارز في خضم الصراع العنيف بين أرباب العمل و النقابات خلال المرحلة الأخيرة من ديكتاتورية بريمو دي ربيرا (1923-1930), و عُرفت تلك الفترة بPistolerismo (الاغتيالات عبر المسدسات).

المحطة السوفياتية
بعد إعلان قيام الجمهورية الإسبانية عام 1931, و باعتباره أحد الكوادر البارزة في الحزب الشيوعي  الإسباني, ابتُعِثَ إنريكي إلى الاتحاد السوفياتي حيث تلقى تكوينا سياسيا بأكاديمية لنين في موسكو و هي متخصصة في التكوين السياسي لجميع الضباط في القوات المسلحة, كما تلقى تكوينا عسكريا بأكاديمية فرونزي Frunze التابعة للجيش الأحمر السوفياتي, و كان التكوين فيها مرتكزا على التعليم العلمي و التكتيكي وفق المذهب الماركسي اللينيني, و كانت تُدرسُ فيها مواد التاريخ و العمل السياسي للحزب, إضافة لتاريخ العمل العسكري و الحربي, بالإضافة للغات الأجنبية و دورات للبحث العلمي.

خلال فترة تكوينه بالاتحاد السوفياتي كان واحدا من العمال الذين كُلفوا بتشييد مترو موسكو, و قد أُعجبَ السوفيات بتجربته كحجار التي اكتسبها في صباه. و قد أشار المؤرخ و العسكري رامون سالاس لارازابال إلى أن المحطة السوفياتية صاغته كرحل ثوري حِرفي: "...كان تكوينه الأول حركيا في أكاديمية لنين, و كان الثاني في الصراع الشاق داخل عالم الشغل كعامل في أشغال المترو التي لها صبغة معروفة للجلد البطولي و معيار القدرة الخلاقة للبروليتارية الموجَهة من طرف الطليعة الإيديولوجية للحزب الشيوعي في التكوين الثالث بأكاديمية فرونزي تصلبت روحه و اشتد عوده في و تخرج منها ضابطا حقيقيا" (1).

خلال فترة تكوينه كضابط في أكاديمية فرونزي, كان للجيش الأحمر السوفياتي منذ خريف 1932, أول وحدة مُدرعة ضخمة في العالم, و هي وحدة آلية. كان هذا سبقا مُهما باعتبار أن ألمانيا لم تُشكل أول فرقة مدرعة Panzer إلا بعد 3 سنوات. إنريكي تخصص في تقديم الخدمات العسكرية ضمن هذه الوحدة السوفياتية.


الجمهورية الإسبانية الثانية:

عند عودته لإسبانيا عام 1936, انضمّ إنريكي للجنة المغلقة التي كانت تنكب على المسائل العسكرية و قد شكلها الحزب الشيوعي الإسباني لمواجهة تصاعد خطر انقلاب عسكري على الجمهورية الفتية. هكذا انضم رفقة خوان موديستو كيوتو Juan Modesto Guilloto و عسكريين شيوعيين و جمهوريين آخرين لإدارة الميليشيات من العمال و الفلاحين المناهضين للفاشية MAOC و التي كانت تُعتبر الجناح المسلح للحزب الشيوعي, منطلقين من تصور معاد لنظام العسكرية Antimilitarista.


بعد فوز الجبهة الشعبية في انتخابات فبراير 1936, تصاعدت المخططات الانقلابية للتنظيم السري "الاتحاد العسكري الإسباني" UME ما أدى في المقابل لتصاعد نشاطات المليشيات المناهضة للفاشية و لأنشطة ليستر.



الحرب الأهلية الإسبانية

لعب إنريكي في بداية الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) دورا بارزا في تنظيم "الفرقة العسكرية الخامسة" El Quinto Regimiento التي تعتبر أول مدرسة عسكرية لتكوين عناصر المليشيات و قد كان مقرها بدير تمَّ "تأميمه"في حي فرانكوس رودريغيث Francos Rodriguez المدريدي.


رفقة الروائي العالمي إنرست همنجواي خلال الحرب الإسبانية
اتجه إنريكي ليستر قبل متم شهر يوليوز 1936 لخوض معارك جبال وادي الرمل  Sierra Gaudarrama و كانت تجربته التقنية و حسه التنظيمي حاسمة في صعود نجمه السريع باستحقاق عسكري. شارك في معارك التاجه Tajo و طليطلة و معارك جنوب غرب مدريد. بعد تجنيد وحدات المتطوعين و تشكيل الجيش الشعبي الجمهوري EPR صار ليستر قائد السرية الأولى المختلطة في الجيش الشعبي, و مع مرور فصول الحرب وصل إلى رتبة رائد مليشيات و هي أعلى رتبة قد يدركها المنحدرون من خارج السلم العسكري المحترف.

اكتسب شهرة واسعة بعد تعيينه مسؤولا عن الدفاع على قطاع في العاصمة خلال معركة مدريد (نونبر 1936 -فبراير 1937) حيث كان على رأس السرية الأولى المختلطة. بعد ذلك أصبح المسؤول عن الفرقة 11 التي حولها إلى فرقة النخبة في المعسكر الجمهوري و التي أُسند إليها خوض أعنف معارك وادي الحجارة Gaudalajara, برونيتي Brunete, بلشيتي Belchiteو ترويل  Teruel. كانت السرايا الواقعة تحت إمرته تشكل فرقة خاصة تتدرب للقيام بعمليات نوعية عند خطوط الجبهة و المساعدة في عمليات قطع الإمداد و الدفاع حتى الموت. قاد ليستر عمليات مهمة مثل عملية التقدم الليلي في برونيتي و التي سمحت بالسيطرة على هذه البلدة و أسر القيادة العامة للعدو في المنطقة, إضافة لعملية قطع الإمداد المفاجئ عن ترويل Teruel. فيما بعد طُرح على محك التشكيك اجتهاد إنريكي ليستر (و كذلك القائد خوان موديستو) بوقف التقدم كليا للقوات الجمهورية إلى حين القضاء على جيوب صغيرة للمقاومة, ما منح الوقت للقوات الفرانكوية لتعزيز دفاعاتها و إجهاض هجمات الجمهوريين بنجاح, كما حصل في بلشيتي Belchite.

في الجبهة الشرقية . أراغون
لم تكن قيادة وحدات عسكرية كبيرة محكومة بالدرجات العسكرية في الجيش الشعبي الجمهوري, بحيث أن رائدا في وقت من الأوقات بإمكانه قيادة فرقة أو حتى لواءا, هكذا قاد ليستر الفرقة 11 و بعدها اللواء الخامس.


في عام 1937 أمرت السلطات الجمهورية بحل المجلس الجهوي للدفاع بأراغون, و هي هيئة كانت تسيطر على جزء كبير من أراغون و كانت منظمة بشكل مستقل تحت سيطرة الاناركيين النقابين التابعين للكونفدرالية الوطنية للعمال CNT و قوات مرتبطة بها, و ذلك بتهمة تبديد الجهد الحربي, بينما كان الهدف الخفي هو القضاء على نظام الحكم الثوري للأناركيين الذي كان يعرقل عمل حكومة الاشتراكي فرانثيثكو لارغو كاباييرو Francisco Largo Caballero و يمنعها من بسط سلطتها و فرض القانون في منطقة أراغون.

في هذا الصدد أمر وزير الدفاع الوطني, الاشتراكي إندلسيو برييطو Indalecio Prioto شخصيا ليستر بمباشرة حل المجلس الجهوي للدفاع بأراغون, و هي عملية قادها ليستر بنفسه باستعمال غير مفرط للقوة. بعد أحداث ماي 1937 بقطلونية (حيث اجثُتَ الأناركيون و الشيوعيون التروتسكيون) و حلَ المجلس الأراغوني, أٌبقيَ على بعض التعاونيات الأناركية التطوعية بهدف عدم خفض الانتاج و عدم استجلاب غضب الشعب الداعم لهذه التعاونيات الأناريكية.

عام 1938, و بعد معركة ترويل Teruel و الهجوم الفرنكوي على أراغون, كان إنريكي ليستر واحدا من الضباط الذين أوكل إليهم صد الزحف المعادي الذي كان يهدد بقطع المنطقة الجمهورية لقطاعين جغرافيين منفصلين, لكن المقاومة كانت بدون جدوى . في يوليو من نفس السنة الجيش الشعبي الجمهوري, المعاد تنظيمه بقطلونية شن هجوما في منعطف نهر الإبرو Ebro و ذلك بقيادة خوان موديستو, و قد أعيد تسليح الجيش الجمهوري و تموينه بما سمحت فرنسا بمروره خلال أيام الأزمة التشيكية مع هتلر. كان إنريكي على رأس اللواء الخامس للجيش الجمهوري و كُلف بالقطاع الجنوبي (من Sierra de Pandols إلى Pinell de Bray) و نجح في الصمود طيلة شهرين أمام الهجمات الفرانكوية. في النهاية, و في أكتوبر 1938, و بعد خسائر فادحة في الأرواح و العتاد انسحبت قوات الإبرو الجمهورية بانتظام نحو قطلونية.

أمام استحالة تعويض الخسائر العسكرية, البشرية منها و المادية, إضافة للهزيمة الديبلوماسية التي منيت بها فرنسا و بريطانيا بعد فشل التهدئة مع النازية و الفاشية, تعرضت الجمهورية ببرشلونة للهجوم من طرف الجيش الفرانكوي بمساعدة حلفائه الإيطاليين و الألمان. كان اللواء الخامس بقيادة ليستر جزءا من المقاومة للغزو الفرانكوي, لكن هذه المقاومة لم تمنع سقوط برشلونة بيد قوات فرانكو. قام اللواء الخامس الجمهوري بتأمين خروج القوات و الساكنة المدنية من المدينة القطلونية باتجاه فرنسا.

رُقي الرائد ليستر إلى رتبة مقدم نظير خدماته العسكرية و عاد للجبهة بصلاحيات عسكرية و سياسية أخرى في الحزب الشيوعي الإسباني. في بلنسية (التي لازالت بيد الجمهوريين) كان ليستر تحت إمرة الحكومة الجمهورية برئاسة خوان نيغرين Juan Nigrin, الذي واجه عراقيل كثيرة لتنفيذ سياسته المبتية على المقاومة حتى الموت. و  في أوائل مارس 1939 وضع الانقلاب العسكري في المعسكر الجمهوري بقيادة المقدم سخسموندو كازادو Sigismundo Casado حدا للقتال معلنا الهزيمة العسكرية للجمهورية. استطاع إنريكي ليستر إلى جانب كوادر عسكرية و سياسية بالحزب الشيوعي الإسباني المغادرة إلى المنفى رفقة أعضاء حكومة نغرين فرارا من الفرانكويين, و استقر بالاتحاد السوفياتي.


المنفى و الحرب العالمية الثانية

شارك إنريكي ليستر في منفاه بالاتحاد السوفياتي  في الصراعات التي شهدها الحزب الشيوعي الإسباني في هذه الفترة, حيث كان يدعم دلورس إيباوروي لتولي منصب الأمين العام للحزب.  بعد مرور آخر بالمدرسة العسكرية السوفياتية فرونزي و باعتباره جزءا من نواة النشطاء الشيوعيين العسكريين المدربين على أعلى مستوى ذُمِجَ في الجيش الأحمر عند اندلاع الحرب العالمية الثانية, و استطاع الحصول على رتبة لواء في القوات السوفياتية.

بعد الحرب العالمية الثانية

أُرسِل ليستر إلى فرنسا بعد الحرب العالمية لتنظيم و تأطير المقاتلين الإسبان الذين استمروا في القتال ضد الديكتاتور فرانكو ما بين 1945 و 1946, و بقي هناك حتى عام 1950 لما حُظِر الحزب الشيوعي الإسباني. 

رفقة أيقونة الثوار تشي غيفارا
استقر ليستر بعد ذلك بالعاصمة التيشكو سولفاكية براغ التي كانت مقر الحزب الشيوعي الإسباني, و ظل طيلة عقدين يشكل جزءا من إدارة الحزب الشيوعي الإسباني, و برز كواحد من المنتقدين للإدارة الجديدة للحزب المنتخبة في المؤتمر السادس ببراغ نهاية دجنبر 1959, حيث خلف سانتياغو كاريو الأمينة العامة المستقيلة دلورس إيباروري. تصاعدت الخلافات مع الأمين العام الجديد للحزب الذي كان مؤيدا للدخول في النقابات في إسبانيا الفرانكوية و للمصالحة الوطنية مع فرانكو. 

ربيع براغ 1968

عايش ليستر الاجتياح السوفياتي لتشيكو سلوفاكيا عام 1968 لإخماد ثورة ربيع براغ حيث اعتبر هذا التدخل خطأً لأنه سيضرب شرعية الشيوعيين لدى الناس. أحدث هذا التدخل مواقف متناقضة داخل الحزب الشيوعي الإسباني الذي عارض عموما هذا التدخل و بدأ ينأى بنفسه عن الاتحاد السوفياتي على غرار الأحزاب الشيوعية في فرنسا و إيطاليا, ما أدى لظهور "شيوعية أوربا الغربية". عارض إنريكي بشدة اتخاذ كاريو هذا الأمر ذريعة لشن حملة تطهير في صفوف الشيوعيين الإسبان. أدت الأزمة المفتوحة داخل الحزب إلى فتح باب الانشقاق الذي قاده إنريكي بنفسه بتأسيسه الحزب الشيوعي العمال الإسباني PCOEعام 1973, كردة فعل منه على تصفية شيوعيو أوربا الغربية للمشروع الشيوعي. 

العودة لإسبانيا:


عاد ليستر إلى إسبانيا من المنفى عام 1977 بعد أن سُلمَ له جواز سفره, و قد تزامن ذلك مع الترخيص للحزب الشيوعي العمالي للإسباني PCOE. و بعد طرد سانتياغو كاريو من الحزب الشيوعي الإسباني PCE عام 1986, أعلن ليستر عودته للحزب الشيوعي و حل الحزب الشيوعي العمالي الشيوعي بذمجه في الحزب الأم, و ذلك في مؤتمر استثنائي أقيم في أبريل 1986 حضره 10 آلاف ناشط شيوعي. بعض الأعضاء في إدارة الحزب الشيوعي العمالي الإسباني PCOE, عارضوا الانذماج مع الحزب الشيوعي الإسباني PCE, و هو موقف اعتبره إنريكي غبيا بقوله: "4 أغبياء لا يفقهون شيئا في اللحظة التي نعيشها".

توفي ليستر بمدريد في الثامن من دجنبر 1994 في الوقت الذي كان فيه اليسار الموحد ( و هو تحالف حزبي يضم الشيوعيين) يحتفي بالمؤتمر الرابع, و حُمل نعشه في مراسيم عالية التقدير إلى المقبرة المدنية بمدريد.


أعماله:

 جمع إنريكي ليستر تجاربه في الحرب الأهلية و مساره الشخصي و السياسي في كتبه:

         * "حربنا" Nuestra Guerra . صدر عام 1966.
         * "مذكرات مكافح" . صدر عام 1977.Memorias de un luchador
         * "كفى" Basta. صدر عام 1970.
         * "هكذا دمر كاريو الحزب الشيوعي الإسباني" Asi destruyo Carillo el PCE.

ابنه إنريكي ليستر لوبيث هو أستاذ محاضر في اللغة, و الحضارة و التاريخ الروسي بجامعة بواتيي الفرنسية.

الهوامش:

(1) رامون سالاس لارازبال "تاريخ الجيش الشعبي الجمهوري".

صلة الرحم بالأندلس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق