السبت، 1 أكتوبر 2022

مؤرخ إسباني :"الأندلس سقطت بسبب خشية حكامها للعدو الداخلي المحتمل أكثر من العدو الخارجي الحقيقي"

مؤرخ إسباني :"الأندلس سقطت بسبب خشية حكامها للعدو الداخلي المحتمل أكثر من العدو الخارجي الحقيقي"

رسم تخيلي لهزيمة الجيش المغربي الموحدي في معركة العقاب بريشة الرسام فرانسيسكو دي باولا فان هالين


ترجمة هشام زليم.

صلة الرحم بالأندلس.

هذا المقال هو ترجمة لمقال ورد في صحيفة الإسبانيول El Español الإسبانية. و هو قراءة في كتاب إسباني يََبْسِطُ أسباب التقهقر العسكري المزمن للأندلس من الفتح حتى هزيمة الموحدين في معركة العقاب. 

عنوان المقال : لماذا اختفت الأندلس؟ الأسباب التي تُفسر هزيمة الجيوش المسلمة.

¿Por qué desapareció al-Ándalus? Las razones que explican la derrota de los ejércitos musulmanes

كاتب المقال: الصحفي الإسباني دافيد باريرا David Barreira بتاريخ 7 غشت 2021.

يكشفُ بحثٌ للمؤرخ جوسيب سونيي أرتسي Josep Suñé Arce أن الحكام الأندلسيين استنزفوا طاقاتهم العسكرية في الصراعات الداخلية أكثر من مزاولة بالجهاد. 

ترَكَ الوجود المسلم في شبه الجزيرة الإيبيرية مجموعةً من الآثار المهيبة و الغاية في الفخامة, مثل قصر الحمراء في غرناطة, جامع قرطبة و مدينة الزهراء. كل هذه المباني أروعُ من أن  تُقارَنَ بالقصور و الأديرة الواقعة في الممالك المسيحية المعادية في الشمال, الجميلة و لكن الأقل أناقة بكثير. رغم ذلك, و في خضم الصراع الذي دارت رحاه في العصر الوسيط, انتهت الأمور بانتصار الرزانة على البذخ. الأندلس, رغم تفوقها الاقتصادي, الثقافي و السياسي سقطت مهزومةً تحت صليل السيوف بسبب ضعف عسكري كان يتفاقم مع مرور القرون.


كشفُ أسباب هذه النكسة العسكرية و ما ترتب عنها من زوال الحكم المسلم في شبه الجزيرة الإيبيرية, هو ما يحاول القيام به جوسيب سونيي أرتسي الحائز على الدكتوراه في التاريخ من جامعة برشلونة, في كتابه "الحرب, الجيش و الجباية في الأندلس من القرن الثامن إلى الثاني عشر ميلادي"  Guerra, ejército y fiscalidad en al-Andalus (ss. VIII-XII) الصادر عن دار النشر Ergástula و هو نتاج تلخيص و مراجعة رسالته في الدكتوراه.
المؤرخ الإسباني جوسيب سونيي أرتسي

هذا المؤرخ العضو في قسم الدراسات في الجمعية الإيبيرية للتاريخ العسكري ما بين القرنين الرابع و السادس عشر ميلادي, قام بتحليل 543 بعثة عسكرية تَواجَهَ فيها مسلمو شبه الجزيرة الإيبيرية ما بين 708م و 1172م مع القوط الغربيين, الفرنجة, مسيحيي شمال شبه الجزيرة الإيبيرية, مقاتلين مما وراء جبال البرانس و مع شعوب مسيحية أخرى في غرب الحوض المتوسطي.

بالنسبة للسيطرة على الأندلس, تنقسم هذه الفترة إلى تسعة عصور: عصر الولاة ما بين 708م و 756م, الإمارة الأموية ما بين 756 و 888م , الفتنة الأولى من 888 إلى 929م, الخلافة الأموية الأولى ما بين 929 و 976م, الخلافة الأموية الثانية ما بين 977 و 1008م, الفتنة الثانية ما بين 1009 و 1085م, عصر المرابطين من 1086م إلى 1146م ثم عصر إعادة التوحيد الموحدي ما بين 1147 إلى 1172م. و قد برهن سونيي Suñé على أن القوة الهجومية المُسلمة كانت أكبر من نظيرتها المسيحية إلى حدود العقود الأولى من القرن الحادي عشر, و كانت كل خسارة للأرض تتبعها حروب أهلية و دفع للجزية للعدو المُفترض لتجنب عمليات عسكرية, الشيء الذي كان يستنزف بشكل رهيب القوة العسكرية للأندلسيين. 
كتاب "الحرب, الجيش و الجباية في الأندلس من القرن الثامن إلى الثاني عشر ميلادي"


كما فنَّد سونيي واحدة من الخرافات الواسعة الانتشار و التي مفادها أن المسلمين لم يكونوا يهتمون كثيرا بمهن الأسلحة, و أنهم كانوا استراتيجيين سيئيين و أنهم بالإضافة لذلك كانوا جبناء. ففي الحقيقة تعود أسباب هزيمتهم إلى تظافر العديد من الظروف الشديدة التعقيد. و اعتبارا من النصف الثاني للقرن الثامن باتت الجيوش الأندلسية عاجزة عن وقف تمدد الحصون المسيحية. و ابتداءا من عام 1020م صارت قدرة هذه الأخيرة على تجميع القوات و إرسال السريات عالية للغاية. لقد كان تسليحهم متفوقا إلى حدود عام 1060م. لقد حقق المسيحيون حتى نهاية هذا القرن الفتوحات الكبرى مثل طليطلة (1085م), لشبونة (1093م) و بلنسية (1094م).


العدو الداخلي:

بالإضافة لهذه المشاكل, شكَّل تفكك الأندلسيين و مركزية الشؤؤون العسكرية و فيودالية الممالك المسيحية عوامل إضافية زادت الوضع صعوبة, غير أنها لم تكن العوامل الرئيسية. يقول جوسيب سونيي: "في الحقيقية, يكمن السبب الأساسي الذي يُفسرُ المشاكل العسكرية الأندلسية في الطريقة المُختَلفة التي كانت السلطات المسيحية توزع بها مداخيلها, ما جعل أتباعها ينالون نصيبا من الإيرادات أكبر مما كان تتوصل به الجيوش المسلمة".

بمعنى آخر, التفوق المسيحي يكمن في قراره تخصيص نصيب مهم من مداخيله للتجنيد و تجهيز حَمَلَة السلاح. على العكس من ذلك, أنفق المسلمون جزءا كبيرا من مداخيلهم على القصور و على ساكنيها لإظهار القوة الاقتصادية للأمير أو الخليفة و بالتالي تجنب صدامات داخلية تُهدد سلطته السياسية. يفسر الكاتب هذا الأمر قائلا: " كان الاستثمار في الهدايا الثمينة, و القصور و الكنوز مفيدا لإبراز قوة السلطان و هيمنته, ما كان يُقلل خطر التعرض لتمردات مُسلحة كانت ستجبرهم على اقتسام السلطة السياسية مع زعماء آخرين, أو ما هو أسوأ من ذلك: فقدان حياتهم بكل بساطة".

و يضرب المؤرخ عدة أمثلة تصويرية لفهم هذا الأمر. حيث يقول سونيي: "خصص الأمويون, مثلا, 30 بالمئة من مداخيلهم للجيش و 60 بالمئة للخزينة العامة  و تشييد المنشآت المعمارية, بينما كانت السلطات المسيحية في القرنين الحادي عشر و الثاني عشر تمنحُ لجنودها حتى 80 إلى 90 بالمئة من مداخيلهم. هذا يُفسِّرُ التفوق العسكري للمسيحيين مقارنة بالأندلسيين, و يُفسرُ في المقابل أيضا تخلفهم (يقصد المسيحيين) في كل الجوانب الأخرى تقريبا". هذا و يُقَدَّرُ أن ثروة الزعيم المنصور قاربت حوالي 54 مليون دينار  ما سمَح له بالقيام ب 108 بعثة عسكرية و تجنيد 36 ألف جندي إضافي.

لكن, لماذا يحاول الزعماءُ المسلمون إصلاح هذه السياسة, و هم يعلمون أنها كانت تقود حتميا نحو وضعية ضعف عسكري مقارنةً بالممالك المسيحية التي قامت بجهود كبيرة لتحسين سلاح الفرسان؟ يجيب سونيي عن هذا التساؤل قائلا: "لقد كانت زيادة التمويل للجيش تعني إجبار (الحاكم) على خفض تمويل باقي المجالات و ما يترتب عن ذلك من فقدان للأنصار و خدش لهيبة الجلالة و الثروة, فينتهي به المطاف بالاعتماد كليا على قواته". بمعنى آخر, كانت هناك خشية من العدو الداخلي المُحتمَل أكثر من العدو الخارجي الحقيقي. و يختتمُ المؤرخ عمله الهام و الكاشف بهذه الخلاصة:

"يمكن الجزم بأنه اعتبارا من نهايات القرن التاسع ميلادي وجد الزعماء السياسيون للإسلام الأندلسي نفسهم في موقف يجبرهم على الاختيار بين خيارين متباينين: الحفاظ على السلطة الفردانية و الحصرية للسلطان مهما كلَّف الأمر أو زيادة نسبة الموارد المُخصَّصَة للجيش حتى يُعادل النسبة لدى المسيحيين و مواجهة خطر خلق توترات تهدد الانفراد Infirad و الاستبداد Istibdad بالسلطة (هذه المفردات العربية أوردها المؤرخ سونيي بنطقها العربي بحروف لاتينية). و يبدوا أن جميعهم, أو على الأقل أغلبهم, خضعوا للخيار الأول. بهذا الاختيار قبلوا بشكل غير مباشر بالفقدان التدريجي للهيمنة العسكرية في البداية, و بعدها بوضعية صَغارٍ عسكري مُزمن سببه تمويل غير كاف".

 ترجمة صلة الرحم بالأندلس.

هناك تعليقان (2):

  1. اتمن ان يكون مصيرهم جهنم وبيس المصير هم والحكام الحاليين

    ردحذف
  2. اتق الله و لا تتمني العذاب لأحد مات مسلما.. يبدو أن الفكر الثوري يدخل بعض الناس مع الخوارج و هم لا يشعرون.!!

    ردحذف