السبت، 9 فبراير 2013

المورسكيون و التحالف مع النبلاء.

في 24 يناير 2010 الساعة: 13:33 م

هشام زليم.
مدونة صلة الرحم بالاندلس.

وجد مورسكيو أراغون و بلنسية (1) في النبلاء طيلة القرن 16 عونا لهم على مناورة تحركات و قرارات محاكم التفتيش ضدهم. فتكوّن بينهم تحالف ناجم عن التنظيم الإقطاعي الذي اعتُمِد بعد سقوط الاندلس.


هكذا اعتمدت الأرستقراطية العقارية المسيحية في حكمها على التنظيمات السياسية و الدينية المشكلة من جماعات Aljamas, مما يفسر استمرار هذه الهيكلة في هذه المنطقة إلى غاية الطرد سنة 1609م. إنها سلطة بلدية موازية لسلطة المسيحيين تتزعمها غالبا سلطة شرعية على رأسها القاضي الذي يشغل منصب العمدة و القضاء. لكن من خلال هذه السلطة كان يحكم الحاكم المسيحي الذي وجدها وسيلة مريحة لاستخلاص الضرائب و استتباب الأمن. 

في هذا الإطار تمتّع خيرونيمو قاسم Jeronimo Caçim المستشار الشرعي لشاطبة سنة 1609 بسلطات كبيرة, و كان بإمكانه عبر وشاية بسيطة إرسال إخوانه في الدين لأداء الأعمال الشاقة فوق السفن. كما أنيطت له مهمة جباية الضرائب و استخلاصها قمحا (2).

من خلال رجال من هذه الطينة, تحققت التحالفات بين الطوائف المورسكية و النبلاء الذين كان في صالحهم الحفاظ على هذه الهيكلة القديمة, كما وضّح ذلك هالبرين دونغي Halperin Donghi بالنسبة للمُنصًّرِين البلنسيين: ”لقد أصبحت القناة الأساسية التي تستخلص عبرها الضرائب و الواجبات و يُحفظ الأمن”. (3)

كما كان في صالح الجماعات دعم النبلاء الذين كان باستطاعتهم عبر تدخلاتهم لدى وجهاء رجال الدين المسيحيين تأخير تنفيذ قرارات محاكم التفتيش و في نفس الوقت تعطيل دمج العديد منهم. كما قدّم المورسكيون في مرات عديدة دعمهم العسكري للنبلاء.

أبرز مثال على ذلك, و الذي تبين مع مرور الوقت أثره السيئ على عموم الطائفة المورسكية, الدعم العسكري الذي قدمه ما بين 1519 و 1521 المدجنون ببلنسية لأسيادهم المسيحيين خلال ثورة Germanias, فانظموا بذلك إلى صف الأرستقراطية العقارية في مواجهة agermanados البرجوازية الحضرية (4).

ليس هذا فقط, ففي سنة 1585م حدث تصادم للمصالح بين الطائفتين أدى إلى حدوث حرب أهلية في جزء من أراغون. فأهل الجبل المسيحيين و أهل السهل المورسكيون دخلوا في حرب بلا هوادة. بدأ القتال باسم الدين حيث تعالت الأصوات مرددة ”كلاب كفرة” و ”الثأر أيها الموروس”, لكن هذه الصيحات لم تخف حقيقة الحرب التي كانت بين نظرتين اقتصاديتين, الرعاة الرحّل و أهل الجبل الذين قرروا رعي قطعانهم في الأراضي الخصبة الواقعة بين ضفتي نهر إبرة التي جعلتها أيادي المورسكيين الماهرة و عملهم الدءوب سهلة الاستغلال, و كان هذا يصب في مصلحة النبلاء و رجال الدين و زيادة ثرواتهم لأنهم كانوا مالكي تلك الأراضي.

فإذا كان المورسكيون قد صمدوا بقوة و فعالية ما بين 1585 و 1589م لجحافل لوبيرسيو لاتراسLupercio Latras, فذلك راجع لاعتمادهم على الأرستقراطية الأراغونية. فبالرغم من نزع سلاح المورسكيين سنة 1575م, فقد استطاعوا الاحتفاظ به بتواطء مع النبلاء الذين كُلّفوا بنزعه لكنهم لم يقوموا بمهمتهم إلا صوريا. 

لقد احتاج النبلاء للمورسكيين مرّة أخرى في حروبهم الأهلية الكثيرة, فقد كان البارونات في حاجة لمورسكيين أوفياء قادرين على تقديم الدعم العسكري لهم. لقد كان سوء التفاهم كثيرا بين النبلاء كما أشار إلى ذلك نائب المستشار في رسالة إلى الملك فليب الثاني حيث اعتبر أن مورسكيي المناطق التابعة للملك و للكنيسة بالكاد يملكون السلاح, حيث لا يملكها إلا خدم الأسياد الذين يستخدمونهم في معاركهم. أما الذين يعيشون في سلام فلا حاجة لهم لخدم مسلحين. (5)

اضطهادات محاكم التفتيش للمورسكيين, التي تكثفت ابتداءا من 1560 لتبلغ أوجها ما بين 1582 و 1592م, لم توفر لا أراغون و لا منطقة بلنسية, بل بالعكس نجد هناك أقصى درجات قسوة محاكم التفتيش بالنظر لعدد المدانين و الذين تمّ إحراقهم. 

في هاتين المنطقتين, قامت محاكم التفتيش بزعزعة التجمعات المورسكية من خلال مصادرة الممتلكات, الطرد, الأشغال الشاقة و أحيانا الموت, مضرين بذلك بمصالح النبلاء و سمعتهم. لهذا قام هؤلاء بالتدخل للدفاع عن أتباعهم المورسكيين و تحريرهم أحيانا من السجن. فهذا المسيحي خوان فرانثيثكو كريستوبال  القاطن بإيخار Hijar أُدين يوم الثالث من مارس 1573 و حُكم عليه بدفع غرامة قيمتها 2000 دوقية و قضاء فترة في الأعمال الشاقة بسرقسطة بسبب عدم تسليمه أحد المورسكيين إلى محكمة التفتيش(6). سنة 1578م, أكّد مسيحيو بلشيت Belchite أمام محكمة التفتيش نفسها أن مورسكيي البلدة ”المقربين من السيد و القائد الذي يحكمهم” قد قتلوا امرأة اتهمتهم بأداء طقوس كفرية. في الحال قامت محكمة التفتيش بسرقسطة بتوقيف أهم زعماء الجماعة المورسكية بيدرو و خوسيبي دي خماس و خوسيبي و فرانثيثكو تريغو و أرسلتهم رفقة فقيههم مغيل ساخي Miguel Sage للمحرقة سنة 1579, مفككين بذلك الجماعة المورسكية ببلشيت و مقوضين لسمعة الكومت (7).

كما  دافع دوق فيلا إيرموثا عن المورسكيين التابعين له, و لا غرابة في ذلك فقد كان هذا الرجل, كما أشارت إلى ذلك جاكلين فورنيل غيران رمزا لمعارضة محكمة التفتيش (8). فوجد المورسكيون عنده أحسن جوار حيث ”كان على الدوام هذا الدوق و حلفاءه أعداءا شرسين للكنيسة و لموظفيها يضمون و يحمون الموروس بكل قواهم علما أن كل خدمهم منهم و أن الدوق ممتلئ حنقا لأن بعض خدمه الذين يعتمد عليهم تعرضوا للتعذيب و أدينوا.” (9).

كما  تدخل نبلاء بلنسية لدى الملك بغرض إقناعه بمنع الكنيسة من حشر أنفها في أمور المورسكيين و تركهم يعيشون كمسلمين. و قد نجحوا إلى حد ما, حيث استطاعوا تأخير دمج المورسكيين في المجتمع المسيحي و كبحوا, و لو مؤقتا, جماح إجراءات مختلف محاكم التفتيش ضدهم. لقد كان المورسكيون بعد تنصيرهم القسري يحسون بالظلم و أن المحاكم لا تنصفهم البثة, و يبدو أن النبلاء كانوا يشاطرونهم هذا الرأي فتركوهم أحرارا في عقيدتهم و سهلوا لهم ذلك. (10).

لقد استفاد النبلاء ماديا من دفاعهم عن المورسكيين, حيث لم يتأخر هؤلاء في دفع أي مبلغ مقابل دفاعهم عنهم أمام مختلف السلطات الإسبانية, بل كانوا يمنحونهم أي مبلغ يطلبون (11). فهذا مدير مزرعة دوق سيغوربي, بيدرو ياموس عرض خدماته مقابل مبلغ مالي حتى يعمل كوسيط بين الطائفة المورسكية و أسقف طرطوشة عندما زار هذا الأخير بلدة فال دوخو   Vall d’Uxo, و منحه المورسكيون ما طلب.. (12).

من خلال التحالف مع النبلاء كان المورسكيون يبحثون عن رضا رجال الكنيسة و وقف اضطهاد محكمة التفتيش لهم. لقد استنتجوا أن هناك ارتباطا بين السلطتين من خلال استضافة النبلاء لرجال الكنيسة أثناء قيام هؤلاء بزيارة كنسية لمناطق تواجد المورسكيين (13). لقد أخبر أهم زعيمين للجماعة المورسكية بجبال إسبدان و بأوندا Onda, بيدرو أمان و صديقه نجار جميع أبناء دينهم أنهم قد استمالوا رئيس أساقفة طرطوشة (14). هذين الرجلين كانا في قلب التبادلات و التحالفات بين المورسكيين و النبلاء, و قد حازا على كامل ثقة المورسكيين لأنهما يعرفان القراء و الكتابة فاتخذوهم فقهاء لهم و جاء في محضر إدانتهما : ”رجلان يعرفان القراءة و الكتابة و يتخذهم الموروس فقيهين و لهم مكانة كبيرة لدى المورسكيين و كأنهما التركي نفسه”. )15).

لقد كان تحالف قادة الطائفة المورسكية مع النبلاء, على المدى القصير, تكتيكا جيدا يسمح لهم بتقوية هيبتهم و زيادة التفوق الذي عندهم على حساب أبناء دينهم. لكن على المدى البعيد, سينتهي هذا التحالف بالاعتقال و فتح محضر يتبعه دائما محاكمة في الاتودافي يفقد خلالها هؤلاء الزعماء ممتلكاتهم و أيضا حياتهم. سيتبين في النهاية أن حماية النبلاء المشروطة لم تكن كافية. 

أوضح مثال على هذه الوحدة المؤقتة و التي انتهت بكارثة للزعماء المورسكيين, قضية خيرونيمو دوكو Geronimo Duco . لقد أُُحرق هذا الرجل إلى جانب 3 آخرين في 18 غشت 1577 بسبب طاعتهم للسيدة النبيلة دونيا خوانا دي باياس Dona Joana de Pallas, فقد أمرتهم هذه السيدة بقتل فرانثيثكو غونزاليث دي غروايال, صديق لعائلتها أبلغ عن ابن أخيها دون لويس لدى محكمة التفتيش. (16).

لقد اعتقد المورسكيون أنهم وجدوا في التحالف مع النبلاء وسيلة فعالة لوقف مراقبة محاكمة التفتيش التي بدأت تمارس عليهم. هذه الحماية أهمت جزءا من النبلاء لكنها لم تكن كافية لوقف تجبر الكنيسة و تجنب الطرد النهائي سنة 1609م.

فهل أحسن المورسكيون اختيار حلفائهم؟ لكن قبل ذلك, هل كانت هناك إمكانية لعقد تحالفات مع أطراف أخرى داخل المجتمع الإسباني بعد أن تبين عجز القوى الخارجية عن إغاثتهم؟

الهوامش :

(1)      عشية طرد سنة 16069 كان عدد المورسكيين في هاتين المنطقتين مرتفعا للغاية مقارنة بعدد السكان الإجمالي: ففي منطقة بلنسية شكلوا 26.10 بالمئة,  و 17.37 بالمئة في أراغون.
للمزيد من المعلومات عن التوزيع الجغرافي للمورسكيين هناك بحث للفرنسي هونري لابيري Henri Lapeyre ”جغرافية إسبانيا المورسكية”. ‘’Géographie de l’Espagne morisque’’
(2)     الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 549/2
(3)     Halperin Donghi ‘’Les morisques du royaume de valence XVI siécle’’ p 167.
(4)     Garcia Carcel Ricardo : ‘’Origines de la inquisicion espanola : El tribunal de Valencia 1478-1530. P 96.
(5)     ذكر هذا خوان ريغلا في كتابه ‘’Estudios sobre los moriscos’’ p 73
(6)     الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, lib 962 f° 548
(7)     الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, lib 988 f° 399 r° 468 v°
(8)     Fournel Guerin : Les morisques aragonais et l’inquisition de saragosse. P 55
(9)     الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, lib 970 f° 473
(10) الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 548/1
(11) الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 549/1
(12) الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 549/1
(13) الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 548/1
(14) الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 548/1
(15) الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 548/1
(16) الأرشيف التاريخي الوطني AHN, Inq, leg 550/3

-          المرجع: ‘’Quand on brûlait les morisques’’ للباحثة الفرنسية جان فيدال.

هشام زليم.
مدونة صلة الرحم بالاندلس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق